الصنعة التأثيرية ، نظرية جديدة فى الفن
سألجأ فى عرْض هذه النظرية بإذن الله ، إلى تكنيك الإجمال المختصر ثم التفصيل . والنظرية الجديدة التى أتشرف
بتقديمها تتكوّن من عدّة عناصر :
أولا : الفرق ما بين “الصنعة التأثيرية ” ، و” الصنعة الوظيفية ” .
ثانيا : الفن كسلوك.
ثالثا: الفن والالتزام .
رابعا :الفن والجمال.
خامسا : لفظة “فنان” ، على منْ تُطلق.
سادسا : أنواع الفنون .
سابعا : بعض أمثال للصنعة التأثيرية والوظيفية فى القرآن الكريم .
على أن الإشارة لهذه العناصر فى الوقت الحالى سوف يكون مختصرا وذلك لحين عرضها تفصيلا بعد استعراض المصادر
التى سيتم التنويه عنها بعد قليل .
أولا : الفرق ما بين مفهومى “الصنعة التأثيرية ، والصنعة الوظيفية “:
فى محاولات الفلاسفة للإجابة عن سؤال ” ما هو الفن ” ، وماذا يعنى الآداء أو الفعل الفنى لدى الإنسان ، كانت أبرز
النظريات هى : نظرية “الصنعة”، لدى اليونانيين القدماء ، و نظرية ” المنبّه ورد الفعل ” ، لدى السيكولوجيين
المحدثين .
أولا : نظرية “الصنعة”
حيث بدأت ب”سقراط” وانتهت ب”أرسطو” ، حيث توصّف الفعل الفنى لدى الإنسان باعتباره “صنعة” ، لا تختلف
عن غيرها من الصناعات الأخرى مثل صناعات النجارة والنسيج وترقيع الأحذية والزراعة وتربية الأغنام وترويض
الخيول وغيرها من الصناعات . و” الصنعة” هنا لابدّ وأن تعتمد على “المهارة ” . إذا ، الفن صنعة من ناحية ومهارة
من ناحية أخرى . ولكن ثمة نقد كثير وُجّه لهذه النظرية - سنعرضه فى حينه - ، وهو نقد
ذو حيثية
يجعل من فعل الإنسان فى مجالات معيّنة - أنواع الفنون - فعلا يسمو ويرتفع عن باقى الصناعات .
نظرية ” المنبّه ورد الفعل”
حيث وصّفت الفعل الفنى باعتباره منبّها يسعى لإثارة المتلقى نفسيا وعقليا . إلاّ أن ثمة نقد وُجّه لهذه النظرية كذلك
على اعتبار أن هناك أشياء أخرى تثير الإنسان نفسيا وعقليا دون أن تكون فنا ، مثل “المهرّج” الذى يرتمى على
على الأرض ويأتى بحركات بهلوانية لإضحاك المتلقين ، فهو - المهرّج - بالتأكيد يعمل على إثارتهم نفسيا .
نظرية ” الصنعة التأثيرية”
فى هذه النظرية الجديدة ، لا يمكننا أن نغفل أن الفعل الفنى ” هو فعل واعى مخطّط يعتمد على المهارة “، فهو إذا “صنعة ” ، ومن
ناحية أخرى يعمل كذلك ” على إثارة المتلقى نفسيا وفكريا وعقليا وعاطفيا ” فهو إذا “تأثيرى” . ومن هنا
جاءت تسمية النظرية بـ” الصنعة التأثيرية ” التى تعنى : المهارة + التأثير . فى حين إن المقصود بالـ” الصنعة الوظيفية” هو
إشباع حاجة للإنسان فى حياتة اليومية ، مثل المقعد للجلوس عليه ، أو البندقية ليحارب بها ، أو الملابس لكى يرتديها الخ .
فالصنعة الوظيفية هى : المهارة + الاستخدام .
إذا ، كلاهما يحتاج إلى مهارة ، وكلاهما يعتمدان على التخطيط والفعل الواعى والإدارك ، فكلاهما صنعة ، الأولى تهدف إلى
التأثير فى عقل وقلب وفكر وعاطفة المتلقى ، والثانية تهدف إلى إشباع الحاجات التى يستخدمها الإنسان فى
حياته بشكل يومى أو موسمى الخ .
ثانيا : الفن كسلوك
باعتبار الفن فى جزء منه “صنعة” ، تقتضى المهارة والفعل الواعى والمخطّط له ، فهو إذا سلوك . وذلك مثل
أى سلوك آخر للإنسان فى أى مجال من مجالات الحياة ، وبالتالى ، فهذا يترتب عليه دحْض دعاوى كثيرة تنظر
إلى الفن باعتباره استثناء للإنسان يفعل فيه ما يريد ، وهذا ينقلنا إلى لنقطة أخرى هامة .
ثالثا : الفن والالتزام
لا يمكن للفن باعتباره سلوك من سلوكيات الإنسان إلاّ أن يكون ملتزما ، لاسيما فى المجتمعات المحافظة ، ولكن هذا
يدعو إلى تعميق فى الحديث عن معنى الالتزام ، وسأضرب مثلين أوضح بهما فى عجالة ما أريد قوله ، المثال الأول :
مشهد عاطفى ساخن ما بين رجل وامرأة ، يحدث بينهما ما لا يمكن إلاّ أن نعده خروجا عن الالتزام ، ولا يمكن تبريره
بأحداث درامية أو ضرورة فنية الخ .
المثال الثانى :
لدينا نحن المصريين مثلا أغانى السيدة أم كلثوم ، وهى كلها تدور حول العاطفة ، ولكن الكلمات - وإن كانت تصف
مشاعر عاطفية فيّاضة - إلاّ أنها كلمات راقية ، بلغة عربية فصحى ، والسؤال : هل يمكن النظر إلى هذه الأغانى
باعتبارها تقدّم تجربة إنسانية عاطفية عن طريق الرواية المصاحبة بالتلحين والآداء ، سؤال أطرحه على الجميع .
ثم بجانب الكلمات ، هناك اللحن ، هناك الآداء ، هناك الملابس التى ترتديها المغنية ، هناك سلوك المتلقين ، فهل لو تمّ كل
ذلك بطريقة محافظة ، يمكن النظر إلى هذه الأغانى باعتبارها تقدم تجارب فى الحياة لا يمكن تجاهلها ، تكملة للسؤال السابق ، حيث
الفرق واضح ما بين المثالين السابقين ، الأول بالتنفيذ ، والثانى بالتقديم الراقى .
رابعا : الفن والجمال
حيث ربط الفلاسفة منذ قديم بين الفن والجمال ، وبالتالى ، فكما تعدّدت النظريات التى تحاول تفسير السلوك أو الفعل الفنى
للإنسان ( الصنعة ، المنبّه ورد الفعل ) ، تعدّدت كذلك النظريات حول معنى ” الجمال “ .
خامسا : لفظة “فنان” ، على منْ تُطلق :
لدينا نوعان من الصنعة سبق الإشارة إليهما ، وكلاهما يستحق أن يُطلق على مؤديها لفظة “فنان” ، وإن كنّا نحن لا نعد
المهرّج فنانا تأثيريا ، لكنه لو أجاد إضحاك الجمهور بشكل مهنى ، فهو فنان وظيفى .
سادسا : أنواع الفنون .
سيتم الحديث عنها لاحقا بإذن الله .
سابعا : أمثال للصنعة التأثيرية والوظيفية فى القرآن الكريم :
نستطيع هنا أن نقدم مثالين :
أولا : مثال الصنعة التأثيرية :
) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفاًّ وَقَدْ أَفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ و إِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67) قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى (70) ” سورة طه”.
ثانيا : مثال الصنعة الوظيفية :
) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَداًّ (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقاًّ ( ” سورة الكهف”.
ولذا ، أدعو المتصفح الكريم للصمود معى خلال التحديثات القادمة لكى نبدأ النظرية “الصنعة التأثيرية ” منذ البداية ، باستعراض المصادر التالية :
أولا : كتاب ” مبادئ الفن” روبين جورج كولنجوود، مكتبة الأسرة ، أعمال مترجمة .
ثانيا : كتاب ” فلسفة الجمال” للدكتورة أميرة حلمى مطر ، مكتبة الأسرة .
ثالثا: كتاب ” الفن والإنسان ” للدكتور عز الدين إسماعيل ، مكتبة الأسرة .
رابعا : مقال ” فلسفة الفن عند عباس محمود العقاد ” مجلة الفكر المعاصر ، مارس 1965 .
خامسا : مقال ” تصنيف الفنون ” ف. تاتاركيفنش ، ترجمة : مجدى وهبة ، مجلة فصول ، المجلد الخامس ، العدد الثانى ، يناير ،فبراير ، مارس ، 1985 .