الإسلام والحكم - علم السياسة الحقوى
اعتدنا على سماع كلمة فصل الدين عن السياسة، أو لا علاقة للأخلاق بالسياسة، وكذلك على تسمية السياسة ب “اللعبة القذرة”
ولكن حين البحث فى علاقة السياسة - كسلوك إنسانى طبيعى فى الحياة - بالفكر الإسلامى - كمرشد أخلاقى للإنسان - تمخضت لنا نظرية ” الوجود
المؤثِّر المتنامى ” والتى يمكن للمتصفح الكريم بمجرد تحريك الماوس إلى أسفل ، أن يجده فى الموضوع التالى مباشرة
وتنبهنا هذه النظرية السابقة إلى إمكانية تأسيس فرع جديد فى المعرفة الإنسانية فيما يمكن أن نطلق عليه ” علم السياسة الحقوى ” ، كعلم يربط ما بين
السياسة والحق بعد إمكانية تحويل الحق كمفهوم مثالى إلى واقع عملى ملموس ، يمكن قياسه وإدراكه وتتبع مساراته ، والمحافظة عليه
وبالتالى فرأيت أن أبادر بالكتابة عن هذا الهاجس سريعا علَّ وعسى أن يقترن اسمى تواضعا بشرف المناداة بتأسيس هذا العلم
وبجانب نظرية ” الوجود المؤثِّر المتنامى ” كمنطلق إسلامى أخلاقى لعلم ” السياسة الحقوى” ، فتوجد نظريتان أخريتان كذلك - حتى الآن - مستمدة
أخلاقيا أيضا من الفكر الإسلامى ، وفى انتظار تأسيس نظريات مستمدة من السلوك الإنسانى فى تعامله مع الحق حتى يكتمل جانبا هذا العلم ” السياسة
الحقوى ” فيجمع ما بين الإرشاد الأخلاقى والسلوك الإنسانى ومساراته المختلفة
النظرية الثانية هى نظرية “أولى الأمر الدوّارة” ، وهى تهدف إلى بيان أن الحاكم فى الدولة الإسلامية ليس هو الوحيد الذى يمكن أن نطلق عليه ولىّ الأمر
ولكن الشعب الإسلامى أيضا يكون بالنسبة للحاكم ولىّ أمر ، وبالتالى فتدور الولاية ما بين الحاكم والمحكومين فى الدولة الإسلامية بشكل دوّار
ولسوف نتعرض بشئ من التفصيل لهذه النظرية لاحقا بإذن الله تعالى
النظرية الثالثة وهى نظرية ” الآخر ” والتى تقوم على مفهوم ” الحقوق والواجبات” فى الفكر الإسلامى ، حيث يتمخض الآخر وفقا لهذه النظرية ، فى أن
كل شئ فى الوجود هو آخر بالنسبة للمسلم ، فالمسلم الآخر هو آخر ، غير المسلم هو آخر ، الكون والوجود هو آخر
حق الله تعالى على العباد ، وحق العباد على الله تعالى
والله عز وجل - تعالى عما يصفون - هو” آخر” كذلك بناء على مفهوم الحقوق والواجبات ، ففى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عن
معاذ ابن جبل رضى الله تعالى عنه ، قال: بيننا أنا رديف النبى صلى الله عليه وسلم ، ليس بينى وبينه إلا آخرة الرحل ، فقال : يا معاذ ، قلت : لبيك
رسول الله وسعديك ، قال: هل تدرى ما حق الله على عباده ، قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
، ثم سار ساعة ، ثم قال : يا معاذ ، قلت : لبيك رسول الله وسعديك ، فقال: هل تدرى ما حق العباد على الله - إذا فعلوا- ، قلت : الله ورسوله أعلم
، قال : حق العباد على الله ألا يعذبهم
إذا من خلال الفكر الإسلامى والآوامر الإسلامية يتحول كل شئ إلى آخر ، لكل حقوق وعلى كل واجبات ، وفى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : “
انصر أخاك ظالما أو مظلوما” ، هنا يكون “حق المسلم الآخر” على أخيه المسلم فى نصرته مظلوما ، وقد تساءل صحابة الرسول صلى الله عليه
وسلم : لقد فهمنا أن ننصره مظلوما ، فكيف ننصره ظالما ، وهنا يكون” الواجب من المسلم تجاه أخيه المسلم الآخر” ، حيث فسر الرسول صلى الله
عليه وسلم نصرة المسلم الظالم تكون بنصحه لكى يبتعد عن الظلم
وهكذا يتحول الفكر الإسلامى إلى حقوق وواجبات متبادلة ويصبح الجميع بالنسبة للجميع “آخر” ، وسوف ننتناول بشكل أكثر تفصيلا ” مفهوم الآخر فى
الفكر الإسلامى ” فى وقت لاحق بإذن الله تعالى ، على أننا تناولنا فى هذا المقام خلاصة وبعض تفصيل هذا المفهوم من وجهة نظر الإسلام بناء على مفهوم
” الحقوق والواجبات”
ولسوف يشهد مفهوم الحق كذلك تعاونا مع الفكر الاقتصادى ، وربما نشأة “علم الاقتصاد الحقوى ” يهدف إلى أفضل استغلال ممكن للموارد الطبيعية
والبشرية فى مجالات تحافظ على الإنسان من ناحية ، وعلى الكون من ناحية أخرى
وربما يلحق مفهوم الحق كذلك بالإعلام ، ليكون هناك ما يسمى ” علم الإعلام الحقوى” الذى يصبح فيه المتلقى مشاركا حقيقيا فى صنع القرار المجتمعى
فى مختلف المجالات ، حيث تدفُق الخبر فى الإعلام ، وتوضيح الأنا والآخر ، وتفعيل قدرة المجتمعات الإسلامية على الفهم والتحرى والتقصى ، ويصبح
الإعلام ملكا حقيقيا للمجتمع الإسلامى لا لتيار معين أو حزب معين