الإسلام والحكم - الدولة التى تحكم بالإسلام لا هى دينية ولا هى مدنية
ارتبط مفهوم الدولة الدينية ارتباطا وثيقا بالسلطة الكنسية التى هيمنت على مقاليد وأمور الحكم فى العصور الوسطى فى الدول الأوروبية ، حيث صاغت
الكنيسة عدة مسارات فكرية وسلوكية لما يجب أن يكون عليه شكل العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم ، والدور الذى يجب أن تلعبه الدولة المسيحية حينئذ
، حيث كانت أبرز التوجهات هى :
أولا: محاربة العلم واضطهاد العلماء لإشاعة الجهل، والإبقاء على سلطة الكنيسة
ثانيا: ظهور نظريات “الحق الإلهى المقدس” ، و” ظل الله على الأرض” ، والتى تؤلِّه الحاكم ، وترفض قطعا عصيانه أومساءلته أو الثورة عليه
ثالثا: ضرورة قيام الدولة المسيحية باضطهاد غير المسيحيين ، على اعتبار أن المسيحية هى طريق النعيم الأخروى ، ومن ثم فلا مانع من تعذيب أجساد
غير المسيحيين من أجل راحة الروح الأبدية
ولعل ما فعله الرومان بأجدادنا فى مصر ليس منا ببعيد ، فقد اضطهدوا أجدادنا ثلاثة قرون من أجل اعتناقهم المسيحية ، ثم عندما أعلنت المسيحية ديانة
رسمية للرومان ، اضطهدوا أجدادنا أربعة قرون أخرى من أجل اختلاف المذهب، حيث رأوا أن المذهب الذى اعتنقه أجدادنا كان نوعا من الهرطقة
أما فى الفكر الإسلامى وموقفه من هذه القضايا الرئيسية السابقة ، فهى كالتالى :
أولا: حث الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم فى أكثر من حديث نبوى شريف مثل :”اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد” ، “اطلبوا العلم ولو
فى الصين ” ، هذا بخلاف ما يمتلئ به القرآن الكريم من آيات تحض على العلم والتفكر والنظر فى الآفاق ، واعتبار الإسلام طلب العلم فريضة على كل
مسلم ومسلمة
ثانيا: عندما تولى الصديق أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه وأرضاه الحكم أو ولاية المسلمين قالها صريحة :أطيعونى ما أطعت الله فيكم ، فإن
عصيت الله ، فلا سمع ولا طاعة ، كذلك ما أعلنه عمربن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه عندما تولى الحكم بدوره، موضحا قدرة المحكومين على
محاسبة الحاكم :منْ تأمَّر منكم من غير مشورة المسلمين ، فاضربوا عنقه
ثالثا: يقول الله تعالى فى كتابه الكريم :” ومن يبتغى غير الإسلام دينا ، فلن يقبل منه ، وهو فى الآخرة من الخاسرين ” ، إلا أن قدرة المسلمين على
تنفيذ قوله تعالى :”لكم دينكم ولى دين” ، قد ضرب أروع الأمثلة فى البلدان الإسلامية ، ونحن بحاجة بالفعل لإجراء دراسة لمعرفة كيف تمكن المسلمون
من تنفيذ هذه الآوامر الإلهية والنبوية فى التسامح مع عقائد الآخر ، وكيف أثرت البيئة فى هذا الأمر وغيره من العوامل ، لكى نقف بالفعل على فهم قدرة
البشر بصفة عامة فى تطبيق ما يؤمنون به وما هى العوامل التى تساعد أو لا تساعد مثل هذا التطبيق
فلقد قدم “ناتان شرانسكى ” استقالته من منصبه كوزير إسرائيلى ،حيث كان يعُدّ من المتطرفين ، فى حكومة “شارون” ، وكتب مقالا على الإنترنت
يعترف فيها بسماحة الإسلام ، حيث حدث أنه وجد أن اليهود الذين يعيشون فى فلسطين المحتلة و المنحدرين من أراض وبلاد إسلامية لا يستطيعون التكيف
مع جيرانهم من اليهود الآخرين ، وحينما تفقد الأمر وسألهم عن السبب ، أجابوه بأنهم كانوا يُعاملون معاملة كريمة فى بلاد المسلمين ، بالإضافة إلى سهولة
الاندماج التى تمتعوا بها بين المسلمين آنذاك والتى لا يستطيعونها بين اليهود فى فلسطين المحتلة
وحيث تتميز الدولة المدنية “العلمانية” بعدة خصائص أساسية هى :
أولا: تحض على فصل الدين عن الدولة
ثانيا: وهذه النقطة ترتبط ارتباطا وثيقا بأولا ، حيث إن فصل الدين عن الدولة يجعل الدولة المدنية تقف عاجزة أو رافضة لإيضاح العلاقة ما بين الأخلاق
والحكم
ثالثا: إطلاق حريات التعبير والجسد ، فلا تمانع فى التطاول على ذات الله تعالى ورسله ، وكذلك إباحة الزنا والشذوذ والإجهاض وتأجير الأرحام وغيرها
وبالنسبة لمعالجة الفكر الإسلامى لهذه القضايا الثلاث فهى :
أولا: يربط الفكر الإسلامى ربطا وثيقا ما بين الحكم والأخلاق ، فيقول تعالى :” إن خير من استأجرت القوى الأمين ” ، كذلك موقف الرسول صلى الله
عليه وسلم من أبى ذر الغفارى حينما طلب من الرسول أن يستأجره ، فأجابه : يا أبا ذر إنك ضعيف ، وإنها مسئولية وأمانة ، وإنها يوم القيامة خزى
وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها
ثانيا: يرفض الإسلام المبدأ الميكيافيللى سئ السمعة : الغاية تبرر الوسيلة ، فيقول تعالى :” ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا
يره “ وينطبق هذا على الفرد أو الحكومة أو الشعب
ثالثا: الإسلام ملئ بالآوامر النبوية والإلهية التى تحرم الزنا والإجهاض والشذوذ وغير ذلك من المحرمات الإسلامية التى تحث المسلم للمحافظة على
جسده بعيدا عن الخطيئة والحرام ، وكذلك مسئولية المسلم عن آرائه بما يبعدها عن الكفر والألحاد ، ولعل الأمثلة الإسلامية القرآنية التى يضربها الإسلام
كثيرة ، مثل الكلمة الطيبة مثل الشجرة الطيبة تمتد جذورها فى الأرض ، والكلمة الخبيثة مثل الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض وغيرها
وحتى نستطيع إكمال صورة اختلاف الحكم الإسلامى عن كونه حكما دينيا أو مدنيا ، فإنه يجب التعرض
أولا: بعض تطبيقات غربية مدنية معاصرة
ثانيا: بعض تطبيقات إسلامية قديمة
ثالثا: بعض تطبيقات إسلامية معاصرة
من خلال النقطتين الأخيرتين ، نستطيع أن نرى أن هذه التطبيقات عانت من خلل لتطبيقات فى الفكر الإسلامى
أولا: تطبيقات غربية مدنية معاصرة :
انجلترا مثلا اعتادت لسنوات على استضافة مؤتمرات لأفراد طلبوا اللجوء السياسى إليها ، هذه المؤتمرات اعتبرها الكثيرون مؤتمرات إرهابية لا يجوز
لدولة أن تحتضنها ، وتمتعت هذه المؤتمرات بسمة الرسمية والعالمية ، ويكفى ذكر قول الله تعالى :”وما كنت متخذ المضلين عضدا”
فرنسا التى أجبرت الفتيات المسلمات على خلع خمارهن “غطاء الشعر ” على أبواب المدارس، وهى تتغافل عمدا عن كون الخمار للمرأة المسلمة هو فرض
وليس رمزا ، وعندنا الإسلام الذى لا يتعرض لفرض أو رمز لأحد من الأديان الأخرى طالما لا يسئ لأحد
ألمانيا ، والمستشارة الحالية لها أنجيلا ميركل، التى تنتمى لحزب مسيحى ديموقراطى متشدد ، حيث صعدت لهجة العداء ضد المسلمين فى أحاديث لها ،
رغم أنهم يمثلون ثانى أكبر ديانة فى ألمانيا، والأدهى هو قيام واحد من حكومتها وحزبها فى احدى مدن ألمانيا ، بوضع نموذج أسئلة عنصرية لا يجيب عنها
إلا المسلمون فقط ، كشرط للحصول على الجنسية ، تلك الأسئلة التى تتعارض مع الدين الإسلامى وآوامره ، مثل هل توافق على مرافقة ابنتك لشخص ما
دون زواج ، ما رأيك فى الشذوذ الجنسى وغيرها ، فى حيث إن الإسلام يعلنها صريحة على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : “لهم ما لنا ،
وعليهم ما علينا “
والدانمارك والنرويج وغيرهما من البلدان الأوروبية التى أساءت للرسول إساءات بالغة ، وأثناء المظاهرات التى قام بها المسلمون فى كل مكان حول العالم
، حملت امرأة مسلمة لافتة تنديد غاية فى الروعة ، حيث كُتب علي اللافتة : كسبنا محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولم نخسر موسى والمسيح
ثانيا: تطبيقات إسلامية قديمة :
تلك التطبيقات التى أساءت للإسلام ، وذلك حين تم تعذيب الإمام أحمد بن حنبل ، لأنه رفض الإجابة عن سؤال هل القرآن خالق أم مخلوق، وتلك التطبيقات
التى قامت بسجن الإمام ابن حزم ، وابن تيمية ، ونفى ابن رشد ، واضطهاد وتعذيب آل البيت ، وسب الإمام على بن أبى طالب - كرم الله وجهه- من فوق
منابر المساجد ، بالإضافة إلى استغلال حدود الله تعالى ” الرجم - قطع اليد - قطع الأيدى والأرجل من خلاف وغيرها ” فى التخلص من الخصوم
السياسيين السلميين وإلقاء بقاياهم للتماسيح
ثالثا: تطبيقات إسلامية معاصرة:
فالسودان التى طبقت حدود الله تعالى على أرضها ، وقطّعت الأيدى والأرجل دون أن تصل ببلادها لحد الكفاية الذى يتطلبه الإسلام شرطا لتطبيق الحدود
وإذا كان الحاكم الإسلامى مسئول عن تطبيق حدود الله تعالى لإقامة العدل فى الأرض ، فإنه أيضا مسئول عن إيقاف مؤقت للعمل بحدود الله تعالى- “قطع
اليد - الرجم للزانى المحصن - الجلد للعازب الخ” - فى وقت الأزمات من أجل إقامة العدل فى الأرض أيضا ، وهو ما سبق وفعله عمر بن الخطاب ، وقت
خلافته أثناء حدوث المجاعة
وربما يثير هذا الأمر - المطالبة بوقف مؤقت للعمل بالحدود مثل قطع اليد والرجم وغيرها أثناء الأزمات - حفيظة البعض ، ولهم الحق والشكر بالطبع فى
الغيرة على شرع وشريعة الله تعالى التى أمر بها المسلمين ، ولكن تحقيق ضمانات تكفل ألا يتم تطبيق الحد فى غير موضعة ولغير مستحقه هو أمر مطلوب
إيضا ، ويؤسفنا أن نتذكر جميعا أن “إياد علاوى ” الذى كان عفوا إما رئيس وزراء العراق السابق ، أو وزير الخارجية العراقى السابق، والذى ساعد
الأمريكيين فى غزو ودخول العراق ، استطاع “إياد علاوى ” الحصول على فتوى ما تجعل من المجاهدين المسلمين الشرفاء الذين يقاومون المحتل
الغاصب لإجلائه عن البلاد بأنهم من المرجفين الذين يجب قتلهم ونفيهم وتقطيع أيديهم وأرجهلم من خلاف ، فلنا أن نتخيل لو أنه تم العمل بمثل هذه الفتوى
لوجدنا آلاف المجاهدين المسلمين الشرفاء فى طابور قطع الأيدى والأرجل من خلاف ، إذا فنحن حريصون على تطبيق حدود الله تعالى ، وذلك بما أمر به
الله تعالى أيضا :
فالوصول لحد الكفاية فى المجتمع الإسلامى
وضمان تطبيق الحد على صاحبه فعلا بعيدا عن استبعاد المخالفين أو المعارضين السياسيين السلميين
وإيقاف مؤقت للعمل بها فى وقت الأزمات والمظاهرات والمجاعات والحروب وما يجعل البلد فى حالة عدم استقرار
كل ذلك من الإسلام أيضا
ولكن فى إيضاح الفرق ما بين الأسس التى تقوم عليها الدولة الدينية والدولة المدنية ، وتلك الأسس التى يقوم عليها وينادى بها الإسلام ، ما يجعل الحكم
الإسلامى بعيدا عن كونه تطبيقا دينيا للدولة ، أو مدنيا لها
و يمكننا أن نقول إن الدولة التى تحكم بالإسلام هى دولة مدنية ذات مرجعية دينية إسلامية
ولكن يثور تساؤل فى غاية الأهمية ، وهو :
كيف نواجه الخلل الذى قد يعترى تطبيق الفكر الإسلامى فى الحكم ، حتى نتفادى المساوئ التى استعرضناها فى تطبيقات إسلامية فى الحكم قديمة
ومعاصرة :
هذا يمكن أن يتم ببعض المقترحات الهامة مثل :
أولا: تفعيل إرادة الشعوب الإسلامية ، وقدرتها على اختيار حكامها ومحاسبتهم وإقصائهم
ثانيا : حيادية أجهزة الشرطة والجيش
ثالثا : تفعيل القوانين واحترامها ، وقدرة الصغير والكبير ، الغنى والفقير على الوقوف أمام القضاء والتظلم
رابعا: تفعيل قدرة منظمات حقوق الإنسان فى رصد من يسئ للإسلام ، ومن يستخدم الإسلام بطريقة مسيئة
وأرجو ممن لديه مقترحات أخرى لكيفية المحافظة على تطبيق آمن للفكر الإسلامى فى الحكم ، أو يبعث بالمقترحات عبر الCOMMENTS أو
عبر البريد الإليكترونى الخاص بى الموضح أعلى الشاشة
لأنه فكر جدير بالاحترام بالفعل ، ويجمع الجميع فى بوتقة الإسلام الذى يتحول فى هذه الحالة من مجرد دين سماوى يدين به المسلمون ، إلى حضارة
تشمل الجميع برعايتها مسلمين وغير مسلمين
مع الوضع فى الاعتبار أن ما لا يُدرك كله ، لا يُترك كله، ويجب علينا نحن المسلمين أن نتمسك بما يتم تطبيقه من مبادئ وآوامر الإسلام
بالفعل، بالتوازى مع النظر والبحث فيما يمكن استحداثه أو تفعيله للوصول لأقصى أفضل آداء للفكر الإسلامى فى الحكم
وإلى لقاءين قريبين بإذن الله تعالى مع موضوعين :
الإسلام والحكم - روافد العدل فى الدولة الإسلامية “قراءة فى قرارات عمربن الخطاب”
الإسلام والحكم - أهداف السياسة الداخلية والخارجية واحدة فى الدولة الإسلامية