Tuesday, December 19, 2006

الإسلام والحكم - المذهب التكافلى ، نظرية فى الاقتصاد الإسلامى

 

تم نشر هذا المقال على عددين بمجلة التبيان التى تصدر عن الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة ، شوال ، ذو القعدة 1426

 

يستحق الفكر الاقتصادى الإسلامى أن ينفرد بدوره بنظرية اقتصادية تقف فى مواجهة النظريات الاقتصادية الأخرى ، مثل الرأسمالية ،أو الشيوعية ، أو

الاشتراكية

 

وفى حين تتعارض الرأسمالية والشيوعية مع بعضهما البعض كطرفين متضادين، تبرز الاشتراكية كاتجاه وسط بينهما

 

وفى الوقت الذى يعارض المذهب “التكافلى” اتجاه المذهب “الرأسمالى” الذى يجعل المجتمع كله فى خدمة الفرد

 

فإنه يعارض المذهب “الشيوعى” أيضا الذى يجعل الفرد خاضعا مقهورا للمجتمع

 

على أن وسطية الفكر “التكافلى” تعلو وتسمو على وسطية الفكر “الاشتراكى” ، فى أنها - وسطية الفكر التكافلى - تتخذ من تقوى الله عز وجل أساسا

ومنطلقا ، الأمر الذى يؤدى إلى تحقيق الاستقرار فى المجتمع الإسلامى ضد الحراك الاجتماعى - الاقتصادى الذى تقوم به دائما طبقة الأثرياء فى أى

مجتمع للتخلص من الوسطية والانفتاح على الاقتصاد الحر ، وذلك حبا وخوفا من الله تعالى ، وهذا لا يمكن أن نجده فى أى فكر آخر سوى الفكر الاقتصادى

الإسلامى

وتتطلب مناقشة الفكر “التكافلى ” التطرق إلى نقطتين رئيسيتين هما :

أولا: منطلقات نظرية المذهب التكافلى فى الفكر الإسلامى

 

ثانيا : المذهب التكافلى وبعض المفاهيم المهمة فى علم الاقتصاد الوضعى

 

أولا: منطلقات نظرية المذهب التكافلى فى الفكر الإسلامى :

  

أولا: المال وديعة من الله تعالى بين أيدى البشر يتصرفون فيه بما يرضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ففى قوله تعالى :” آمنوا بالله

ورسوله ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ” الحديد 7

 

ثانيا: حقيقة قررها الله تعالى ، وتجاهلها الكثيرون من أجل أطماعهم ، وهى أنه سبحانه وتعالى هو القائل:” وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله

 

إلا بقدر معلوم” الحجر 21 ، فهذا القدر المعلوم حقيقة لا تتصدى لها دعوى - إما أنا أو الآخرين - لأن الحياة هكذا كما خلقها الله تعالى الذى يحذرنا بقوله

 

تعالى :” ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ، بل هو شر لهم ، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ، ولله ميراث السماوات

 

والأرض ، والله بما تعملون خبير” آل عمران 180، أما الحادث الآن فى الكون أن 14 % فقط من إجمالى سكان العالم يستحوذون على ثلثى ثروة العالم

 

ثالثا: على أن هذا القدر المعلوم لا يعنى أنه قليل أو محدود ، ولكنه بحساب، حتى لا يطغى البشر ، لقوله تعالى :“ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى

 

الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ، إنه بعباده خبير بصير ” الشورى 27 ، وبرغم ذلك فلو وزع الرزق بعدل وبما يرضى الله تعالى ، لفتح الله تعالى

 

علينا بركات من السماء والأرض لقوله تعالى :”ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ، لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا فأخذناهم بما

كانوا يكسبون ” الأعراف 96، حيث إن توزيع الرزق الوفير بعدل لا يترك مكانا للطغيان والبغى

 

ولكن بعض الاقتصاديين يحصرون المشكلة الاقتصادية فى “ندرة الموارد الطبيعية ” والخوف من نضوبها ، ولعل هذا يفسر مسلك أمريكا العدوانى

 

المذعور الإجرامى فى محاولاتها لامتلاك أكبر قدر ممكن من الموارد الطبيعية فى العالم

 

لكن فى الفكر الإسلامى ، فإن الله تعالى هو الذى خلقنا ، وهو المسئول عن رزقنا ، ومتكفل به سبحانه وتعالى ، كما فى قوله عز وجل :”وما من دابة فى

 

الأرض إلا على الله رزقها ،و يعلم مستقرها ومستودعها ، كل فى كتاب مبين” هود 6، وكذلك قوله تعالى :” قل من يرزقكم من السماء والأرض ،

 

أمن يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحى من الميت ، ويخرج الميت من الحى ، ومن يدبر الأمر ، فسيقولون الله ، فقل أفلا تتقون” يونس 31

 

رابعا: يجب ألا نركن إلى سخرية “الآخر” من اتخاذ ” تقوى الله تعالى ” مسلكا اقتصاديا ، كما يتضح من قوله تعالى :”زين للذين كفروا الحياة الدنيا ،

 

ويسخرون من الذين آمنوا، والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ، والله يرزق من يشاء بغير حساب” البقرة 212

 

خامسا: يعتمد تطبيق الفكر “التكافلى” على طبقات المجتمع المسلم كله، وليس على طبقة واحدة فقط ، كالأغنياء فى “الرأسمالية”، أو البروليتاريا  -

الطبقات الكادحة- فى “الشيوعية”

فالأغنياء ليسوا أعداء المذهب “التكافلى” ، فها هو سيدنا عثمان بن عفان - رضى الله تعالى عنه وأرضاه - مثلا للإنفاق بلا حدود فى سبيل الله تعالى

 

مما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه : “اللهم ارض عن عثمان ، فإنى عنه راض”، وكذلك ” ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم “

 

كذلك يشهد التاريخ الإسلامى على كثرة ووفرة “الأوقاف” التى بذلها الأثرياء لوجه الله تعالى

 

ومن جهة أخرى ، فإن الفقراء ليسوا عالة على المجتمع الإسلامى أو على الأثرياء ، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، عما أوصى به الله تعالى

 

نبيه موسى عليه السلام :” يا موسى ، ما ألجأت الفقراء إلى الأغنياء لأن خزائنى ضاقت عليهم ، وأن رحمتى لم تسعهم، ولكنى فرضت للفقراء فى

 

أموال الأغنياء مايسعهم ، أردت أن أبلو الأغنياء كيف مسارعتهم فيما فرضت للفقراء فى أموالهم “

 

>ثانيا : المذهب التكافلى وبعض المفاهيم المهمة فى علم الاقتصاد الوضعى :

 
 
أولا: يدور أساس علم الاقتصاد الوضعى حول الحاجة وإشباعها فقط كفاية نهائية على عكس الفكر التكافلى الذى ينظر إلى إشباع الحاجات
 
 
على أنه وسيلة لغاية أسمى وهى عبادة الله تعالى ، لقوله سبحانه :” وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون” الذاريات 56
 
 
ثانيا: خاصية خطيرة تتميز بها الحاجات، كانت ولا تزال السبب الأساسى وراء ظهور المفاسد ، والسعى النهم لجمع الأموال والتبذير
 
 
الفادح، وتجاهل الفقراءهذه الخاصية هى خاصية ” تطور الحاجات” ، فالإنسان يسعى دائما إلى الأحدث والأغلى ثمنا ، والأعلى قيمة بغض
 
 
النظر عن الاحتياج الفعلى له ، لا لشئ إلا أن هذا هو الحادث، وقريبا قرأنا فى الصحف أن مطربا مصريا يمتلك سيارة يزيد ثمنها على
 
عشرة ملايين جينه
 
 
وإن كان علم الاقتصاد الوضعى يقر هذه الخاصية ، ويرتب أموره على اعتبارها ، فإن الفكر “التكافلى” ، يحارب هذه الخاصية المدمرة
 
 
لقوله تعالى :”إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، وكان الشيطان لربه كفورا” الإسراء 27، وكذلك قوله تعالى :” يا بنى آدم ، خذوا
 
 
زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين ” الأعراف 31،
 
 
ولعل هذا يكون كفيلا بتحديد نوعية الإنتاج فى الدولة الإسلامية ، من حيث إن إنتاج الضروريات مقدم على إنتاج الكماليات، التى إن أنتجها
 
 
المجتمع الإسلامى ، فإنه يكون إنتاجا معتدلا ، وليس جامحا متطرفا
 
 
ثالثا: يحدد الاقتصاديون الوضعيون مفهوم “الاختيار” ، بأن الموارد سواء ( طبيعية ، بشرية)، يمكن أن يكون لها أكثر من استخدام أو أكثر
 
 
من مهمة ، ولكن وبطعبية الحال، لا يمكن لشئ أن يؤدى أكثر من مهمة فى الوقت نفسه
 
 
فقطعة الأرض مثلا إما أن يتم زرعها ، أو يتم بناؤها ، ومن ثم يكون مهمة الاقتصادى تحديد نوعية الاستغلال للمورد
 
 
فكيف يحدد الفكر الاقتصادى الإسلامى ” التكافلى” أسس الاختيار يتركز هذا الأساس فى قوله تعالى :” فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما
 
 
ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض ، كذلك يضرب الله الأمثال” الرعد 17، كما يتحدد مفهوم المنفعة أكثر فى قوله تعالى :” قل من حرم
 
 
زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، كذلك نفصل الآيات لقوم
 
 
يعلمون ، قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وأن
 
 
تقولوا على الله ما لا تعلمون” الأعراف 32، 33إذا اختيار الإنتاج فى الدولة الإسلامية لابد وأن يراعى منع ( الربا، الاحتكار، السرقة،
 
 
اختلاس المال العام ، تكنيز الأموال لدى فئة محددة ، منع خروج أموال البلد الإسلامى مع المستثمرين الأجانب والفنانين) ،مع مراعاة عمل
 
 
المشروعات التى تستوعب أكبر عمالة ممكنة
 
 
بغض النظر عن التكنولوجيا الفائقة السائدة والتى تؤدى إلى البطالة على أساس أن التطور الهائل للتكنولوجيا بهذا الشكل هو من ضمن
خاصية ” تطور الحاجات”
 
 
رابعا: يحدد الفكر التكافلى ، كذلك جهات “الإنفاق” كما فى قوله تعالى :” يسألونك ماذا ينفقون ، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين
 
والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ” البقرة 215، كذلك قوله تعالى :
 
ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله ، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغنى وأنتم الفقراء ، وإن تتولوا
 
يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ” محمد 38
 
 
خامسا: يربط علم الاقتصاد الوضعى بين التوزيع والمال، فمن لديه المال يشترى ، لكن الفكر التكافلى لا يربط ما بين التوزيع والمال إلا فى
 
الكماليات فقط، وأما الضروريات فهى مسئولية تتحمل الدولة الإسلامية توفيرها لكل مواطنيها ، لقول
 
الرسول صلى الله عليه وسلم : ” كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته”

 

،فالضروريات مثل ( المأكل - المشرب - الملبس - التعليم بكل أشكاله ودرجاته - السكن - الأثاث - الصحة - الصرف الصحى ) ، وكل

 

ما يعين الإنسان فى كل زمن أن يعيش بما يليق بآدميته

وندهش فى الحقيقة من مطالبة البعض بإلغاء مجانية التعليم ، كدعوى غير موفقة للتمييز بين المواطنين فى الضروريات ، حيث إن التعليم

حتى ما بعد الجامعى ليس من الكماليات فى شئ

 

سادسا: علم الاقتصاد الوضعى يجعل بؤرة العلاقة ما بين الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ، السلعة أو الخدمة ، فى حين إن الفكر التكافلى

يجعل هذه البؤرة هى طاعة الله تعالى وتقديم النفع للمسلمين

سابعا: ليس الربح هو المحرك الأساسى للنشاط الاقتصادى الإسلامى ، وإنما المحرك هو كفالة المسلمين

ثامنا: ومن ثم يكون أساس المشكلة الاقتصادية فى الفكر التكافلى ، ليست هى ندرة الموارد الطبيعية ، ولكن هى حُسن استغلال العنصر

 

البشرى بأكفأ ما يكون ، لقوله تعالى :” فإذا قضيت الصلاة ، فانتشروا فى الأرض ، وابتغوا من فضل الله ، واذكروا الله كثيرا لعلكم

تفلحون ” الجمعة 10

 

ويحق لنا الآن بعد أحداث الشغب فى فرنسا والتى قام بها الفقراء المهمشون - وإن حاولت فرنسا إلقاء اللوم على الأقليات والمهجرين ، لكن

 

فى حقيقة الأمر إنها معاناة الجياع، التى تسببت فى اندلاع الحرائق فى السيارات والمبانى وإعلان حالة الطوارئ - نتساءل: هل ما حدث فى

فرنسا ، وما رأيناه يحدث فى اسكتلندا من اشتباك عنيف بين الفقراء ورجال الشرطة فى قمة دول الثمانى الماضية باسكتلندا وغير ذلك

 

كثير،

نتساءل: هل كل هذه الأحداث هى إرهاصات سقوط وفشل وأفول نجم النظام الرأسمالى أسوة بالنظامين السابقين الشيوعى والاشتراكى

وهل حان الآوان لبزوغ نجم النظام التكافلى الإسلامى لإعادة العدالة المفقودة فى العالم ، ذلك لأن الفكر التكافلى هو الفكر الوحيد الذى يضم

بين جنباته كلا من الفقراء والأغنياء ويصهرهم معا فى بوتقة “الإيمان بالله تعالى ” ، فهل حان الوقت للإسلام لكى يعرض أجندته

الاقتصادية على العالم

تعقيب هام :

نشر ملحق ” لوموند ديبلوماتيك ” الذى تصدره الأخبار نوفمبر 2006 مقال ل سيرجى حليمى بعنوان :

الانتخابات فى الولايات المتحدة ، طقوس ديموقراطية ومجتمع طوائف طبقية

خبرا أثناء المقال مفاده :

إن نصف الأمريكيين يحصلون على 2.5 % فقط من الثروة القومية ، فى حين إن هناك عشرة فى المئة يحصلوان على 70 % من

الثروة القومية

انتهى الخبر فى المقال

بقى لنا التساؤل :

إذا كان هذا يحدث فى بلد يطبق الاقتصاد الحر يمنع الاحتكار ويضرب على أيدى المتهربين من دفع الضرائب ، ومع ذلك فهذه هى حالة

الشعب به

فماذا عن الدول الفقيرة التى ينتشر فيها الفساد وسرقة ونهب المال العام والفرار به ، وعدم وجود قوانين تمنع الاحتكار وخلافه

اتقوا الله يا سادة فى مصر وأوقفوا نزيف دماء القطاع العام الذى يتم بيعه للعربى والغربى ، وسوف يأتى يوم ينظر فيه هؤلاء إلى

المصرى ويقولوا له : انت يا اللى اسمك مصرى

رحم الله تعالى الراحل العظيم ” طلعت حرب” ورجاء قراءة الفاتحة له لكل من يطالع هذا الموضوع

 

المتصفح الكريم ، يمكنك متابعة موضوع : الإسلام والحكم  - نظرية الاستخلاف البشرى تدحض مزاعم نظرية العقد الاجتماعى لروسو ، والتى

 

خرجت منها نظرية المذهب التكافلى ، بالضغط على هذا العنوان التالى :

 

www.keptiamuslema.blogsopt.com

 

 

 

Posted by maissa in 10:02:06 | Permalink | No Comments »