Wednesday, November 1, 2006

الحقوا بلوتو يا ناس

نشر الملحق العلمى لمجلة العربى نوفمبر 2006 موضوعا بعنوان “وداعا بلوتو علماء الفلك يخرجونه من عالم الكواكب” جاء فيه

 

“الكل كان يعلم أن مؤتمر علماء الفضاء فى العاصمة التشيكية براغ ، سيفضى إلى إعادة صياغة الكتب المدرسية فى سائر أنحاء العالم ، وفى الوقت الذى

 

أخذت فيه وكالات الأنباء تتحدث عن ارتفاع عدد كواكب المجموعة الشمسية إلى اثنى عشر كوكبا، فاجأ المؤتمر العالم بالتصويت على تجريد بلوتو، تاسع

 

كواكب المجموعة الشمسية من صفته ككوكب

 

ويعنى هذا القرار الذى اتخذه الاتحاد الدولى لعلماء الفلك خلال الاجتماع الذى استمر عشرة أيام فى أغسطس الماضى، بمشاركة أكثر من ألفين وسبعمائة

 

عالم، أن وصف المجموعة الشمسية كمنظومة تضم 9 كواكب فى ملايين الكتب حول العالم، يجب أن يتغير بعد استبعاد بلوتو منها، وسيشار إلى بلوتو الذى

 

اكتشفه الفلكى الأمريكى “كلايد تومبو” لأول مرة العام 1930 ، سيشار إلى “بلوتو” ككوكب “قزم”

 

لكن القرار أثار ردود أفعال عنيفة من قبل العديد من علماء الفلك، ووصف الدكتور”آلان ستيرن” رئيس الفريق علماء نيو هورايزون، مركبة الفضاء

الأمريكية “ناسا” إلى بلوتو، بأنه “قرار محرج”

 

أما رئيس اللجنة المسئولة عن الإشراف على الاتفاق على تعريف الكوكب فقد وصف التصويت بأنه تعرض للاختطاف

 

والاتحاد الدولى لعلماء الفلك هو الجهة الوحيدة المسئولة عن تسمية الأجرام السماوية منذ العام 1919 ، غير أن التصويت الذى تم فى اليوم الأخير

شارك فيه 424 عالما فقط هم كل من بقوا فى المؤتمر

 

وكان مشروع القرار الأول الذى طرح على المؤتمر يقضى بإضافة ثلاثة كواكب جديدة إلى المجموعة الشمسية هى “الكويكب سيرس” ،

و”شارون” قمر بلوتو، و”2003 يو بى 313″ ، وقد جوبه هذا الاقتراح بمعارضة كبيرة من المشاركين فى المؤتمر.

 

وشهدت جلسات المؤتمر جدلا حاميا حول تعريف الكوكب، وفى نهاية المطاف، وضع علماء الفلك خطوطا تاريخية فاصلة أنزلت “بلوتو” من مرتبة

الكوكب، إلى مرتبة ثانوية هى مرتبة “الكوكب القزم” ، واتفق العلماء أن الأجرام يجب أن تتوافر فيها ثلاثة شروط هى

 

أولا: أن تتخذ مدارا حول الشمس

ثانيا: أن تكون كبيرة بما يكفى، وأن تتخذ شكلا كرويا

ثالثا: ألا يتقاطع مدارها حول الشمس مع أى أجرام أخرى

 

وحسب هذه الشروط ، يخرج “بلوتو” الذى يتقاطع مداره مع مدار كوكب نبتون، أقرب الكواكب إليه ، من تصنيف الكواكب

 

ووفقا لهذا القرار أصبحت المجموعة الشمسية تضم ثمانية كواكب فقط هى ، عطارد، والزهرة والأرض والمريخ والمشترى وزحل وأورانوس ونبتون ،

 

وثلاثة كواكب قزمة، أو “بلوتونات” هى “بلوتو” و”2003 يو بى 313″ فضلا عن الكويكب “سيرس” الذى كان يعد كوكبا فى القرن السابع عشر قبل

أن يتم استبعاده لاحقا.

 

ويقول الدكتور “آلان ستيرن”، الذى لم يشارك فى التصويت :هذا تعريف شنيع ، وهذا علم مائع لن يصمد أمام أى مراجعة مدققة ، وذلك لسببين:

 

الأول: من المستحيل ومن الاحتيال أن نضع حدا فاصلا بين “الكوكب” و”الكوكب القزم” ، فهذا يشبه أن نجرد مجموعة من الناس من صفتهم كبشر لسبب

تعسفى ما، مثل أنهم ينزعون للعيش فى جماعات

 

الثانى: إن التعريف نفسه أسوأ بكثير، لأنه لا يستقيم مع نفسه

 

فأحد الشروط التى يجب أن تتوافر فى الكوكب وفقا لهذا التعريف هو أنه يجب أن يكون قد أخلى المنطقة المحيطة بمداره من الأجرام الصغيرة، فالأجرام

 

الكبيرة فى المجموعة الشمسية إما أنها تجمع المواد فى طريقها أو تطردها بعيدا بتأثير قوة الجاذبية

وقد جرد “بلوتو” من مكانته ككوكب، لأن مداره الشديد البيضاوية يتقاطع مع مدار “نبتون”

لكن الدكتور” ستيرن” يشير إلى أن كواكب الأرض والمريخ والمشترى ونبتون، لم تخل تماما مداراتها، فالأرض تدور مع نحو عشرة آلاف من

الكويكبات ، بينما يصاحب المشترى نحو مائة ألف كويكب صغير فى مداره.

 

وهذه الصخور هى كتل من الكسارة التى تخلفت عن تكوين المجموعة الشمسية قبل أكثر من أربعة بلايين عام، ويقول الدكتور “سيترن” :لو كان نبتون قد

أخلى مداره تماما لما كان بلوتو موجودا

 

ويتفق معه فى الرأى البروفيسور “أوين جنجريتش” رئيس لجنة تعريف الكواكب فى الاتحاد الدولى لعلماء الفلك والذى شارك فى صياغة الاقتراح الأصلى

الذى دعا إلى رفع عدد كواكب المجموعة الشمسية إلى 12 كوكبا

 

وهو يقول: كان هناك 2700 عالم فلك فى “براغ” طوال الأيام العشرة، لكن لم يشارك فى التصويت منهم سوى 10 فى المائة

والبروفيسور “جنجريتش” نفسه ، وهو أستاذ فلك بارز فى جامعة هارفارد ، لم يتمكن من المشاركة فى التصويت بسبب عودته الاضطرارية إلى الولايات

 

المتحدة ، وقد طالب الاتحاد الدولى لعلماء الفلك باعتماد التصويت الإلكترونى عبر شبكة الإنترنت فى المستقبل، وهو ما أيده الدكتور “ستيرن” الذى قال

: لم يسمح لى بالتصويت لأننى لم أكن موجودا فى قاعة “براغ” فى الرابع والعشرين من أغسطس الماضى “يوم التصويت” ومن بين عشرة آلاف عالم فلك فى العالم، لم يكن فى القاعة سوى 4 فى المائة منهم

 

ويؤكد الدكتور “ستيرن” أن هذا القرار لن يصمد طويلا وأنه لا ينوى إدخال أى تغييرات على كتب الفضاء التى يعكف على كتابتها حاليا

 

لكن علماء فلك آخرين كانوا سعداء لرؤية “بلوتو” يخرج من المجموعة الشمسية ، ويقول البروفيسور “ايوان ويليامز” رئيس علوم المجموعات الكوكبية

 

فى الاتحاد الدولى لعلماء الفلك : لبلوتو الكثير والكثير من الأصدقاء ، ونحن لسنا شغوفين بإدخال بلوتو وأصدقائه -أى الكواكب الأقزام- إلى النادى “نادى

 

المجموعة الشمسية ” لأنه سيصبح شديد الازدحام، لأنه بعد عقد من الآن ربما سيرتفع عدد هذه الكواكب إلى نحو مائة كوكب، وأعتقد أنه لو حدث هذا لقال

الناس حينها يا إلهى أى فوضى هذه التى أطلقوها فى العام 2006

 

وهناك فريق ثالث وقف بين الرأيين ، ومن هؤلاء روبن كاتشبول من معهد الفلك فى جامعة كمبريدج، الذى قال : رأيى الشخصى أنه كان يجب أن نترك

 

الأمور على حالها، لقد قابلت “كلايد تومبو” الذى اكتشف بلوتو، وصافحته، ومن اللطيف أن تذكر أنك صافحت رجلا اكتشف كوكبا، لكن عندما قدم الاتحاد

 

الدولى لعلماء الفلك المقترح الأصلى برفع الكواكب، وقفت ضده، لأنه سيتسبب فى تشوش واسع

 

وكانت الحاجة إلى وضع تعريف قاطع للكوكب قد بدأت فى الظهور مع دخول التلسكوبات الحديثة ذات التكنولوجيا العالية إلى الخدمة، واكتشافها لأجرام أبعد

بكثير من بلوتو فى المجموعة الشمسية وتفوقه حجما فى بعض الأحيان

 

وجاءت الضربة القاصمة لبلوتو مع اكتشاف جرم سماوى كبير منذ ثلاثة أعوام عرفه علماء الفلك باسم “2003 يو بى 313″ وقد أطلق البعض على هذا

الجرم، الذى اكتشفه “مايك براون” وزملاؤه فى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، اسم “الكوكب العاشر” بينما أطلق عليه براون اسم “زينا”

 

وأثبتت القياسات التى قام بها تلسكوب الفضاء “هابل” أن قطر “2003 يو بى 313″ يبلغ نحو ثلاثة آلاف كيلومتر “1864″ أى أكبر ببضع مئات

الكيلومترات من قطر بلوتو ، وسينضم “2003 يو بى 313″ الآن إلى بلوتو فى عالم “الكواكب الأقزام”

 

وقد أعرب “براون ” عن ارتياحه لقرار الاتحاد الدولى لعلماء الفلك، وقال للصحفيين :ثمانية كواكب فيها الكفاية، ثم أضاف مازحا: ربما سأدخل

التاريخ باعتبارى الرجل الذى قتل بلوتو

كان هذا عرضا لموضوع “وداعا بلوتو علماء الفلك يخرجونه من عالم الكواكب” وهو الموضوع الذى نشره الملحق العلمى لمجلة العربى نوفمبر 2006 ، ولعل ما استدعى الوقوف أمام هذا الموضوع عدة أشياء

 

أولا: قرب لنا عملية صنع القرار العلمى من خلال استعراض آراء العلماء واختلافهم حول القضية الواحدة ومبررات كل عالم منها ، الأمر الذى يزيل

من نفوسنا رهبة صنع العلم أو الاعتقاد بأنه شئ أسطورى مثلا وجعله أكثر وأقرب بشرية على الأقل بالنسبة لنا نحن العوام “أى غير العلماء، وغير المشاركين فى القرار العلمى”

 

ثانيا : تدخل السياسة فى عملية صنع القرار العلمى للأسف الشديد ونلاحظ ذلك فى إطلاق اسم “شارون” السفاح على أحد الكويكبات ، ولا أعلم هذا

هذا شئ مقصود أم أن الأمر مجرد صدفة

 

ثالثا: يبدو أن الفساد لم يكفه الاستحواذ على هيئة الأمم المتحدة لتصير أداة فى يد العدو الصهيو - أمريكى إذ بدت رائحته فى عملية التمرير السريعة 

 

لإخراج “بلوتو” من المجموعة الشمسية لأن عملية التصويت انتهزت فرصة غياب “90 ” فى المائة من العلماء المفترض وجودهم أثناء

 

عملية التصويت لتمرير هذا القرار ، ومن ثم فالأمر يثير الدهشة والاستغراب ويدعو إلى التساؤل :هل أمريكا اعتبرت “بلوتو” من ضمن محور

ا

الشر المزعوم ، ومن ثم أقسم جورج بوش الابن أن يخرجه من المجموعة الشمسية ، لا  لابد أن نعرف ماذا فعل “بلوتو” لأمريكا ولجورج بوش

شخصيا ، وفى النهاية لا يسعنى سوى أن أقول  يا عينى عليك يا بلوتو

 


 

 

Posted by maissa at 09:34:43 | Permalink | No Comments »