الإسلام والحكم - نظرية التوازن فى الإسلام
يلقى طرح قضية السماح بإنشاء أحزاب مدنية ذات مرجعية دينية إسلامية اعتراض الكثيرين ، بدعوى أن ذلك إنما يفتح الباب أمام المطالبة بإنشاء أحزاب مدنية ذات مرجعية دينية مسيحية أيضا
والرد على هذا الاعتراض بسيط وهو أن أمريكا نفسها التى قضيت أعواما وظلت أشواطا فى حروب ساخنة وباردة مع الكتلة الشيوعية الرئيسية -الاتحاد
السوفيتى سابقا- نقول إن أمريكا نفسها بها أحزاب شيوعية ، وتلك الأحزاب تعلم يقينا أن فكرها مضاد تماما للهوية الليبرالية الأمريكية ذات التوجه
الديموقراطى فى الحكم ، وتوجه السوق الحر فى الاقتصاد ومع ذلك فإن وجود أحزاب شيوعية فى أمريكا لا يعنى تطلع أو طموح هذه الأحزاب للحكم ولكن
هى للتعبير عن وجهة نظر أخرى وآمال وآلام مختلفة عن التوجه الليبرالى الأمريكى
ومصر ، كدولة إسلامية بحكم أن غالبية سكانها من المسلمين الذين يشكلون أكثر من 95% من عدد سكانها، وبالتالى فالمادة الثانية من الدستور المصرى
تتفق مع الواقع وتنص على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع
إذا فوجود أحزاب مدنية ذات مرجعية مسيحية فى مصر بوصفها دولة إسلامية ، إنما يكون مثل وجود أحزاب شيوعية فى أمريكا بوصفها بلد ليبرالى
وما أود الإشارة إليه هنا، هو أن تعدد الأحزاب المدنية ذات المرجعية الدينية الإسلامية يصب فى نهاية الأمر فى خدمة جميع المصريين باختلاف
انتماءاتهم الدينية والسياسية وبالتالى فى خدمة وطننا الغالية مصر
فوجود تيار دينى سياسى واحد فقط على الساحة السياسية المصرية قد لا يشكل فقط ضررا حاليا أو مستقبلا على فكرة الانتماء الوطنى ولكن يضر على المدى
البعيد بفكرة الانتماء الدينى الإسلامى أيضا من حيث عملية احتكار الدين، انتشار التكفير سواء تم ذلك عن قصد أو بدون قصد ، بحسن أو بسوء نية
ولعلى فى كلامى هذا أقصد جماعة الإخوان المسلمين ، وهى جماعة لها تقديرها ككيان دينى سياسى إسلامى موجودة وسط كيانات سياسية أخرى أكثرها لا
يحمل الأجندة الإسلامية فى الحكم ، ومن ثم فقد لعبت الجماعة دورا هاما فى لعبة التوازنات السياسية بشكل عام ، وصب هذا بالطبع فى النهاية فى خانة خدمة الإسلام
ولكن أيضا وفى نفس الوقت ومع ما نوهنا إليه منذ قليل أنه بانفراد تيار دينى سياسى إسلامى واحد على الساحة السياسية المصرية وتأثير ذلك السلبى على
الاتجاهين الوطنى والإسلامى، فإن هناك بعض الاعتراضات على بعض التوجهات الفكرية السياسية للجماعة مثل قضية “الخلافة” والتى سنناقشها فى طيات الحديث
وإذا ما نظرنا فى الفكر الإسلامى فسوف نجد أن التوازن لا يكون فقط بين متناقضين، مثلا حزب شيوعى وحزب إسلامى، ولكن التوازن أيضا مطلوب بين
متشابهين، وذلك لضمان استمرار رعاية القضية الأساسية وهى هنا فى مقالنا الإسلام
ففى سورة يوسف الآية 67 يقول تعالى عن وصية سيدنا يعقوب عليه السلام لأبنائه:”وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ، وما
أغنى عنكم من الله من شئ، إن الحكم إلا لله، عليه توكلت ، وعليه فليتوكل المتوكلون” صدق الله العظيم
فوصية سيدنا يعقوب عليه السلام لأبنائه بالدخول من أبواب متفرقة هى لخدمة قضية “المحافظة عليهم” من ضرر رآه سيدنا يعقوب عليه السلام متمثلا فى الحسد فى هذا الموقف
وكذلك قضية ” الحفاظ على الإسلام” يكون من خلال أحزاب مدنية ذات مرجعية إسلامية متعددة وليس حزب أو تيارواحد أو جماعة واحدة
وكلنا يتذكر هذا الحادث الأليم للطائرة المصرية التى كانت تقل على متنها ثلاث وثلاثين ضابطا مصريا من ضباط الجيش كانوا عائدين لأرض الوطن
مصر ، بعد تمضية فترة تدريب فى أمريكا أنفق من خلالها الملايين على واحد منهم، وذلك للعمل على تحديث الجيش المصرى
ولكن كان الخطأ الفادح هو أن يتواجدوا جميعا معا، وأن يركبوا وسيلة مواصلات واحدة معا، فإذا ما استبعدنا الشبهة الجنائية للأجهزة مخابرات معادية
لمصر ليس فى مصلحتها تحديث الجيش المصرى-وطبعا نحن لا نستعبد هذا إطلاقا- فماذا عن المشكلات الطبيعية نفسها أو حتى مشكلة مفاجئة تصيب
وسيلة المواصلات نفسها بغير قصد
وأمامنا كذلك نموذج لدولة إيران الإسلامية التى تتعدد بها الأحزاب الإسلامية متنافسة فيما بينها للوصول للحكم
وفى الدعوة لإطلاق حرية إنشاء أحزاب مدنية ذات مرجعية إسلامية تتمثل بعض سماتهاعلى سبيل المثال فى
أولا
أن تبتعد هذه الأحزاب عن إثارة الجدل فى أجندتها بما يتعارض مع الفكر الإسلامى وأضرب مثلا هنا لحالة حزب الوسط مثلا وهو بقيادة المهندس أبو العلا
الماضى المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين ، حيث يحمل الحزب -وهو تحت التأسيس- بين أروقة أفكاره عدم الممانعة فى تولى مسيحى مصرى رئاسة
الدولة، ولكن مثل هذا التوجه يثير جدلا دينيا لصريح حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “لا ولاية لغير المسلم على المسلم”الذى فسره علماء الدين بأن
المقصود منه هنا هو رئاسة الدولة أو الحكم، كذلك فإن هذا الأمر يثير جدلا منطقيا ،فأمريكا على سبيل المثال ينص دستورها الحالى على ضرورة أن من
يتولى الحكم فى أمريكا أن يكون مسيحيا بروتستنتيا ، وهذا فى الحقيقى يتفق مع واقع أن أغلبية أمريكا من المسيحيين
ثانيا
الاختلاف حول فكرة “الخلافة الإسلامية” حيث إن الخلافة كانت شكل فنى فى تقلد حكم المسلمين فى فترة ما من فترات التاريخ الإسلامى ، فهى-الخلافة-
وإن كانت جزء من تاريخ العالم الإسلامى إلا أنها ليس مبدأ من مبادئ الإسلام
ولقد عانينا هنا فى مصر أثناء فترة الخلافة العثمانية ، وكان أحد أوجه المعاناة متمثلا فى سيادة وسيطرة الأتراك والشراكسة على مقاليد الأمور ، حيث
تولوا هم أرفع المناصب فى مصر فى الوقت الذى كان فيه المصرى المسلم صاحب البلد الأصلى وفى قطاع ما مثل قطاع الجيش على سبيل المثال ، لم يكن
يسمح للمصرى بأن يكون أكثر من جندى، وذلك بالإضافة طبعا لسوء معاملة والاستعلاء على المصريين بشكل عام
فمصر لا تكون إلا للمصريين والإسلام
والسعودية لا تكون إلا للسعوديين والإسلام
وماليزيا لا تكون إلا للماليزيين والإسلام
وألبانيا لا تكون إلا للألبانيين والإسلام
وهكذا
ثالثا
السمة الثالثة التى أرجوها فى حزب مدنى ذات مرجعية دينية إسلامية هو إيمانه بضرورة
وجود سوق إسلامية مشتركة
معاهدة دفاع إسلامية مشتركة
وجود جيش إسلامى مستقل عن جيوش كل بلد إسلامى على حده، وتتركز مهامة فى ثلاث مهام أساسية هى
الأول: ضمان عدم اعتداء دولة إسلامية على أخرى مثلما حدث فى حالة العراق والكويت ، وحالة العراق وإيران وذلك عملا بقوله تعالى:”وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ،فإن بغت إحداهما على الأخرى ، فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمرالله” صدق الله العظيم
الثانى:ضمان حماية الأقليات المسلمة فى كل دول العالم وحتى لا تتكرر مأساة البوسنة والهرسك ، والشيشان وغيرهما
الثالث: الحفاظ على تدفق الديمقراطية فى حكم البلاد الإسلامية من حيث التداول السلمى للسلطة، تحديد فترة رئاسة الدولة، تحديد صلاحيات الرئيس، القدرة على محاسبة رئيس الدولة، والعمل على منع الحكم الديكتاتورى لأن الشعوب الإسلامية هى التى تدفع الثمن فادحا نتيجة الديكتاتورية بيد الحاكم المستبد فى
الداخل الذى يضطهد من يحاول الاعتراض على الظلم أو الاستبداد ، ثم بيد الخارج الغازى الذى لا يتوانى فى إذلال الشعوب الإسلامية وقتلها وتعذيبها ، ولعل الأمثلة كثيرة فمنها فى العراق وما حدث للأكراد والعراقيين على يد الرئيس المخلوع صدام حسين ، ثم ما يحدث لهم الآن على يد العدو الصهيو -
أورو-أمريكى، كذلك ما حدث فى سوريا من مأساة مدينة “حماة” السورية التى راح ضحية الاستبداد الداخلى وعلى يد حاكمها تم ذبح خمس وعشرين ألفا من السوريين الأبرياء راحوا شهداء الظلم والتعسف الداخلى ولم تستطع المدن السورية حولها أن تفعل شيئا لها ولا حتى الإضراب لأنه تم تحذير من يقوم
بالإضراب سوف يتم شنقه وتعليقه أمام دكانه ، والآن فإن سوريا بدورها وشعب سوريا الشقيق يواجه التعسف الأمريكى الذى إن تمكن من البلاد فسوف يزج بأهلها فى غياهب المعتقلات ويشيع الفوضى والظلم على غرار ما يحدث الآن فى العراق الشقيق وشعبة المسلم الحبيب
إذا هى الشعوب الإسلامية تدفع الثمن فادحا ومزدوجا مرة بيد الداخل، وأخرى بيد الخارج ، إذا فنحن الشعوب الإسلامية نسعى للحفاظ على ديننا الإسلامى الحنيف من ناحية، وكرامة الإنسان فى بلده ونحن كمصريين نقصد هنا بلدنا مصر الغالية وشعبها من ناحية ثانية ، وضمان وصول الأكفأ للحكم من ناحية ثالثة، فالرجاء إذا هو السماح بإنشاء أحزاب
مدنية ذات مرجعية دينية إسلامية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كلام جميل.. ولكن اسمحى لى فعندي بعض الملاحظات..
أولا.. وده الأهم .. اذا كنا هنتكلم على أمثلة .. يبقى نجيب من الأصل .. يعني نرجع لأصل الإسلام .. والخلافات الإسلامية الأصليه..
ما يقوله الإسلام بعد إقتناع وإيماني بالإسلام ديناً ومنهجاً.. مسلمات عندي..
ومن هذا المنطلق .. كقاعدة لا يوجد أخطاء فى المسلمات.. بل الخطأ دائما فى التطبيق .. تطبيق المسلمات.
ومن هنا نجد أن تطبيق المعاصريين من الشراكسة والعثمانيين وحتى تطبيق مبادئ ومنهج الإسلام فى الكثير من العصور .. كان تطبيق خاطئ لأصول الإسلام .. وبالطبع كلنا نعرف مبادئ الإسلام ..فالخطأ هنا ليس من الأصل .. الخطأ فى التطبيق .
والدليل على ذلك .. فى عصر عمر بن الخطاب .. كان هناك خلافة عادلة .. وليس شرطاً أن يكون مثلاً والى مصر مصري .. إلا فى حالة كفائته..
فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى..
المسلمات السياسية واللعب بإسم الحرية صدرت إلينا من الخارج .. لتهدم مبدأ من مبادئ الإسلام .. بغض النظر .. أن الإسلام لا يسمح بالظلم .
فكما قلت أن النطبيق هو الخاطئ وليس القاهدة .
هذا هو التحفظ الوحيد .. الذي فى ذهني.. أما الموضوع ككل .. فهو رائع.
سيدتي، لا زلت تصرين على أن دستور الولايات المتحدة ينص على أن يكون رئيسها بروتستنتيا و تبنين على ذلك أفكارا و تثبتين حقوقا، حتى بعد أن وضعت لك رابط نص الدستور الأمريكي و طلبت منك أن تتفضلي بالبحث فيه عن ما يحدد جنس أو لون أو دين الرئيس، و أنا أعلم أنه لا يوجد!
تقولين “لذا فوجود أحزاب مدنية ذات مرجعية مسيحية فى مصر بوصفها دولة إسلامية ، إنما يكون مثل وجود أحزاب شيوعية فى أمريكا بوصفها بلد ليبرالى” بغض النظر عن عدم استقامة وضعك الشيوعية و الليبرالية على طرفي نقيض، و هما في الحقيقة ليسا متعارضين، فيجب أن تعلمي أن الولايات المتحدة الامريكية كان يخوض انتخابات الرئاسة فيها مرشح الحزب الشيوعي الأمريكي حتى عام 1994..أي أن وجود حزب شيوعي في أمريكا ليس مثالا يضرب على عدم الجواز و الاستحالة بالشكل الذي استعملته فيه!
ما نتفق فيه هو تأييدنا لقيام أحزاب ذات مرجعية دينية إسلامية.
لكني أزيد على هذا أنه يجب السماح في هذه الحالة بقيام أحزاب دينية مسيحية و يهودجية و بهائية و أي ملة و مذهب و تفريعاتها أيضا إذا ما رأى مواطنون جدوى في إنشائها.
كما أني أرى عدم منطقية في اعتبار أن كون الدستور ينص على أن مصر دولة إسلامية يتوافق مع قيام أحزاب دينية إسلامية، لأن الأولى في دولة إسلامية أن يكون كل شيء في إسلاميا بالأساس و لا يحتاج تخصيص أي شيئ بأنه إسلامي. على العكس من ذلك فإن قيام أحزاب ذات مرجعية إسلامية في دولة مدنية علمانية تعددية هو مقبول منطقيا لكي تطالب بنظام حكم إسلامي من وجهة نظرهم. لكن إذا كانت الدولة بالفعل إسلامية فما هو مبرر وجودهم و اختلافهم؟!