Wednesday, October 11, 2006

تيار الوطنية الدينية الإسلامى

هل الأرض أمريكية أم عولمية؟

لأن الفرق كبير ، فأمركة الأرض يعنى أن أمريكا قد حققت ما لم تحققه دولة ما منذ نشأة الإنسانية الأولى وحتى يومنا هذا،ولكن عولمية الأرض أو وجود ثقافة تعولم العالم - وهى الآن الثقافة الأمريكية- لا يعنى إلا أن ظاهرة العولمة هى ظاهرة طبيعية جدا ، وقديمة قدم وجود الإنسانية على هذا الكوكب

 

فقديما كانت عولمة الإمبراطوريات الفارسية والرومانية، والإمبراطورية الإسلامية كذلك عبر الفتوحات والغزوات الإسلامية، ثم عولمة أسبانيا والبرتغال،و إنجلترا وفرنسا، والآن عولمة أمريكا

 

والفائدة المرجوة من هذا الكلام هو التدليل على قوله تعالى”وتلك الأيام نداولها بين الناس” صدق الله العظيم

إذا لا تزال الفرصة سانحة أمامنا نحن المسلمين من اجل عولمة الأرض إسلاميا مرة ثانية، ولعل فى نهاية هذا النشر سنجد دعوة بناء على ما سنفوم بعرضه هنا

 

وفى الحقيقة إن هذا المقدمة مستوحاة من كتاب “تناقضات الحداثة فى مصر” للدكتور أحمد زايد، وهو صادر عن سلسلة الفكر لمكتبة الأسرة لهذا العام، وسوف أقوم بإذن الله تعالى بعرض تلخيصى لما يحتويه الفصل الأول من الكتاب نظرا لأهميته الكبيرة فى عرض بعض المصطلحات الهامة مثل العولمة،

الحداثة، ما بعد الحداثة وغيرها

 

الفصل الأول

عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية

 

أولا: العولمة

وهى تعنى محاولة فرض أجنده اقتصادية -سياسية- تقنية - اجتماعية - أيديولوجية- فكرية- تربوية  الخ، وهذه المحاولة تكون من أقوى قطب فى العالم وسواء كانت هذه الأجندة متقفة مع أو مختلفة عن تلك البلدان والمناطقة التى ترغم على قبول هذه الأجندة،

 

ثانيا: الحداثة

وتعنى أن هذه الأجندة الخاصة بالعولمة قد استطاعت أن تنتقل بالفعل لعدد من المجتمعات والأوطان والبيئات سواء برضاء المجتمع أو رغما عنه، وأن هذه الأجندة استطاعت اختراق العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والأيديولوجية الخ

 

ثالثا:الحداثة الزائفة أو البرانية

وهى تعنى أن انتقال أجندة العولمة لأقوى قطب فى العالم إلى مكان ما، هذا المكان لم يكن مهيأ لتقبل هذه الأجندة التى فرضت عليه فرضا أو لم يستطع مواجهتها، فاخترقت حياة المجتمع فى كل نواحيها أو أكثر هذه النواحى، ولكن لأن هذه الأجندة لم تخرج من رحم هذا المكان، فنجد أن ما انتقل من الأجندة

ليس نابعا من فكر هذا المكان أو تاريخه، ومن ثم فيصبح السلوك مشوها لا هو تراثيا ولا وهو حداثيا، ولكن يتكون سلوك ثالث مشوة يبدو فى مظهره أنه يتبع الحداثة، ولكن هذه التبعية هى من الشكل فقط دون الجوهر

 

فبعد انهيار الاتحاد السوفيتى ، وبقيت أمريكا القطب الأوحد فى العالم ، عملت على عولمة ثقافتها فى كل مناحى الحياة، ففى المجال الاقتصادى كانت سياسات الخصخصة والاتجاه لآليات السوق الحر ، وفى النواحى السياسية كانت فصل الدين عن الدولة، استقلال القضاء، عدم توريث الحكم ، صندوق

  الاقتراع ، مدة محددة للرئاسة ، القدرة على محاسبة المسئولين، و تفعيل دور منظمات المجتمع المدنى و غيرها، وفى المجال الاجتماعى حملات تحرير المرأة وحقها فى تعدد العلاقات خارج الزواج وفى الإجهاض وقدرتها الكاملة فى السيطرة على جسدها دون رادع أو وازع من أخلاق أو دين

 

وفى المجال التعليمى مثلا محاولة القضاء على مجانية التعليم، وانتشار التعليم الأجنبى وغيرها، وفى المجال الثقافى محاولات زعزعة الثقافات الوطنية وإلغاء الهويات المحلية عن طريق خلق تيارات مناهضة للدين، داعية للعلمانية ، تهميش اللغات المحلية الخ، وفى المجال الغذائى انتشار الوجبات السريعة

التيك أواى، مثل البيتزا وكذلك المشروبات الغازية، وفى المجال الخاص بالملابس فرض الموضة الصهيو-أمريكية التى تكشف من جسد المرأة أكثر ما تغطى، وفى النواحى العقائدية نشر وفرض عمليات التنصير والتبشير لاسيما فى البلدان الإسلامية ، وكلنا يعرف بأمر وثيقة التبشير التى وقعتها لجنة

 

الحوار بين الأديان سابقا برئاسة الدكتور على السمان ، والدكتور فوزى الزفزاف، حيث اعترضت اللجنة الدينية بمجلس الشعب برئاسة الدكتور أحمد عمر هاشم على ما تنص عليه الوثيقة من إطلاق حرية حملات التبشير والتنصير فى مصر، وتم إلغاء هذه الوثيقة ، ثم تم إلغاء لجنة الحوار بين الأديان

 

وكثير من المجالات الأخرى فى شتى نواحى الحياة تحاول الأجندة الأمريكية أن ترسم سياساتها وخيوطها العريضة وتفرضها على كل شعوب العالم، وبالفعل فإن كثير من الأجندة الأمريكية استطاعت اختراق المجتمعات العربية والإسلامية

 

هذا الاختراق هو حداثة، لكنها حداثة زائفة أو برانية لأنها وإن كانت هناك بعض الإيجابيات فى طياتها مثل قدرة الشعوب على اختيار حكامها ومحاسبتهم وتحديد مدة الرئاسة وصلاحيات الرئيس وقوانين استقلال القضاء، لكن فى الحقيقة إن معظم هذه الأجندة يشوة التقاليد والأعراف والدين الإسلامى

 

إذا ما حدث فى مجتمع مثل المجتمع المصرى مثلا من قدرة هذه الأجندة على اختراق الكثير من المجالات هو حداثة لكنها حداثة زائفة ، لأننا وإن كنا نتوسع مثلا فى استخدام وسائل المعلومات مثل الكمبيوتر والإنترنت والمحمول ، إلا أننا إلى الآن لم نستطع أن نصنع أيا من هذه المجالات ، وبالتالى إن ما حدث

 

لدينا هو ثقافة استهلاك لأجندة الغرب وليس القدرة على خلق أجندة تنموية خاصة بنا، ومن ثم هذا هو معنى الحداثة البرانية أو الزائفة ، فهى تعبر عن سلوك استهلاكى يلحق بالشكل دون الجوهر، وكذلك رغم انقياد الكثيرين وراء خطوط الموضة العالمية، إلا أنه ليس لدينا بيت أزياء عالمى نستطيع فيه فرض

خطوطنا الموضوية مثلا، كذلك فإن هذه الحداثة “تطبيقات لأجندة العولمة” لا تقوى ال”نحن” القادر على التحدى وبالتالى أصبحت مشكلة هذه المجتمعات ومن بينها المجتمع المصرى بالطبع هى مشكلة وجود وليست مشكلة تحصيل المعرفة

 

رابعا: ما بعد الحداثة

وهذا المصطلح يعنى أن الأجندة من القطب الأقوى فى العالم فى كل مناحى الحياة “العولمة” أن هذه الأجندة استطاعت أن تخترق قطاعات ما فى بلد ما

الحداثة” وظلت هذه الخروقات لفترة طويلة نسبيا من الزمن فى هذا المكان أو البلد حيث انقضت فترة يجب أن تكون كافية فى وجود الحداثة أو الخروقات فى مجتمعاتنا مثلا على سبيل المثال، ولكن اتضح مع مرور الوقت أن هذه الخروقات أو الحداثة تسببت فى مشكلات لمجتمعاتنا حيث أضعفت ال”نحن”

 

وأثارت النعرات الإثنية والعرقية والدينية فى ظل إضعاف هذه الحداثة لدور الدولة وسيادتها على مواطنيها وإجبارها شاءت أم أبت على السير فى ركاب العولمة عن طريق الترغيب والترهيب لاسيما فى دول العالم النامى ، مع وجود بعض الطموحات لدى بعض الحكام فى الاستمرار فى الحكم أو توريث الحكم

الأمر الذى يجعله يقبل ببعض التنازلات الوطنية والدينية فانقسمت المجتمعات ما بين معارض لهذا الحداثة وما بين مدافع عنها ، وتحزب الناس فى كتل أمام بعضهم البعض، ومن ثم ثارت النعرات العرقية والطائفية والدينية، وفوجئت المجتمعات لاسيما دول العالم النامى والذين يمثلون الطرف فى عملية العولمة،

فوجئت المجتمعات بأنه أصبح أمامها مشكلة وجود وليس مشكلة تحصيل المعرفة، وحيث ثارت الفتن والنزاعات المحلية والعرقية فهذا هو عالم “ما بعد الحداثة” وحيث أثبتت الأجندة الأمريكية الغربية فشلها فى العديد من بقاع العالم وانتشار البطالة والفقر وتدهور الصحة والحروب والنزاعات المحلية

والإقليمية فسادت روح الشك فى كل ما هو ثابت وفى كل ما تحمله هذه الأجندة فى طياتها

  

هدف الفصل الأول

هو الكشف عن العلاقة الجدلية بين آليتين من آليات العولمة وهما “التكامل، والتفكيك” حيث إن هاتين الآليتين المتناقضتين تعمل بشدة على تآكل المجتمعات الطرفية “دول العالم النامى حيث ينشأ فيها حداثة وما بعد حداثة مغاير تماما للذى ينشأ لدى دول المركز “دول العالم المتقدم” ومن ثم نقول أو يقول الكتاب إن

 

الحداثة وما بعد الحداثة جعل المجتمعات النامية فى مشكلة وجود نتيجة الصراعات المحلية والتهديدات بتقسيم البلد الواحد ، ولدينا حالة العراق المراد تقسيمه 
 إلى دولة أكراد فى الشمال، وسنة فى الوسط ، وشيعة فى الجنوب، وكذلك السودان دولة دارفور فى الغرب ، ودولة فى الجنوب ، وأخرى فى الشمال،

ومصر كذلك ليست بعيدة عن هذا المخطط ، فدولة إسلامية فى الشمال، ودولة مسيحة فى الجنوب، وكذلك لبنان وتقسيم فلسطين والبقية تأتى،فى حين إن دول العالم المتقدم تستغل هذا الصراعات الداخلية التى تعمل على تآكل مجتمعات الدول النامية من الداخل فى أقصى استفادة ممكنة لتحقيق مصالحها الاقتصادية

والسياسية والاستعمارية والعلمية

مثال: دفن النفايات الذرية والنووية فى أراضى دول العالم النامى مقابل حفنة من الأموال، أو إجراء تجارب عملية فى إطلاق صواريخ أو تفجير قنابل فى مقابل أى شئ بسيط لا يعنى شيئا للغرب ولكنه قد يعنى شيئا كبيرا للدولة النامية المغلوبة على أمرها

ويحاول الفصل الأول توضيح آليتى التكامل والتفكيك عن طريق السير فى ثلاثة اتجاهات

 

وآليتا التكامل والتفكيك :

المقصود بهما أن فرض أجندة موحدة للعالم كله إنما يعمل على تكامل هذا العالم من خلال تشابه ونمطية سلوكه، والتفكيك يحدث نتيجة معارضة هذه الثقافة الوافدة التى تتعارض مع الهوية المحلية أو الوطنية أو المعتقد الدينى وبالتالى يلجأ الأشخاص الذين يحاربون الوافد الغريب الجديد إلى التمرد عليه 

 

وتنشأ النزاعات العرقية والطائفية والدينية فيؤدى ذلك إلى تفكيك الثقافات الوطنية

 

وهذه الاتجاهات الثلاث هى :

أولا: العولمة كظاهرة إنسانية هى ظاهرة ليست جديدة

ثانيا: اختلاف العولمة المعاصرة عن العولمات القديمة

ثالثا: ما تتركه العولمة المعاصرة من آثار تفكيك للثقافات الوطنية وخلق لصور التناقض والصراعات

 

أولا:

العولمة كظاهرة إنسانية

هى ليست ظاهرة جديدة ، فتاريخ العالم ما هو إلا تتابعات لصور صغيرة من العولمة، فقد حاولت كل إمبراطورية من الإمبراطوريات التاريخية أن تضم كيانات لها، فعلت ذلك الإمبراطورية اليونانية عبر الإسكندر الأكبر ، وفعل ذلك الرومان والمسلمون، وفى العصر الحديث إسبانيا والبرتغال، ومن بعدهم

الإنجليز والأمريكيون

ثانيا:

الاختلافات بين العولمة المعاصرة والعولمة القديمة

الأول: تخطى حدود الزمان والمكان 

كانت الإمبراطوريات القديمة تعتمد على مركزية السلطة ،وتركز القوة مع انعزال للجماعات المحكومة فى مجتمعات تقليدية منعزلة ومكتفية بذاتها، ولكن       اختلف الأمر حين خرجت المجتمعات الأوروبية من قيود النظام التقليدى والدخول إلى عالم الحداثة ومحاولة تخطى حدود المكان “مثل شبكة الإنترنت

مثلا” التى تمكن ملايين البشر من الاتصال ببعضهم البعض فى نفس الوقت دون سابق معرفة ومن ثم فقد تمكن البشر حديثا بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات من تخطى حدود المكان

 

ومثلت عمليات فك حجر رشيد مثلا واتجاه علماء الأنتروبولوجيا إلى كشف عوالم وكائنات ما قبل التاريخ والنتائج التى توصل إليها العلم فى مناحى كثيرة كل هذا يؤدى إلى تخطى حدود الزمان وربط الماضى بالحاضر للوصول إلى المستقبل

 

الثانى: لامركزية السلطة

حيث يتم تنفيذ أجنده العولمة من خلال أصحاب البلد أو المكان الرئيسيين باستخدام تكنيك الترغيب والترهيب، فإذا كانت أمريكا تحاسب صدام حسين الآن على ما ارتكبه فى حق الأكراد ، فلا يخفى على أحد علم أمريكا وربما إمدادها لصدام حسين بأسلحة كيماوية وبيولوجية محظورة لمهاجمة الأكراد

 

فأمريكا تعتمد على ما تطلق عليه دول صديقة ودول محور الشر

الثالث: الإعلام العريض

وهو يعنى إمكانية توصيل الرسالة لملايين البشر فى ذات الوقت مما أتاح تماثل المضمون الإعلامى لعدد هائل من البشر فى نفس الوقت ، الأمر الذى أدى بدوره إلى نهوض العلم بالبحث فى نظريات الاتصال ، والتأثير والتأثر، ورد الفعل ، وأساليب الدعاية فى السيطرة على الشعوب من خلال الهيمنة الإعلامية

والقدرة على تشكيل صور ذهنية تخدم أهداف الرأسمالية العالمية وأجندة العولمة الغربية ، مثال ذلك الصور الذهنية فى الإعلام الغربى عن إسرائيل المقهورة المظلومة التى تدافع عن نفسها، وفى نفس الوقت الفلسطينين الإرهابيين ، حيث حول الإعلام الغربى المهيمن على العالم من يقاتل ويدافع عن بلده

بأنه بدلا أن يكون فدائى فهو إرهابى

الرابع: الإنتاج الواسع

فالقدرة الهائلة على إنتاج ملايين الأشياء المتشابهة نتيجة التفوق التقنى الصناعى التكنولوجى مثل الملابس، والمنتجات الغذائية ، كل هذا جعل هناك حالة تماثل واحدة بين ملايين الأشخاص فى كل مكان يأكلون نفس الطعام ويرتدون نفس الملابس مثل الوجبات السريعة والجينز، الأمر الذى يعمل بدوره على

 

ترويض وتطويع الإنسان وإقناعه بالانضمام لقطيع الطاعة وإلا لو فكر فى نوع طعام مختلف أو ارتداء ملابس مختلفة لسوف يكون شاذا غريبا عن باقى العالم من حوله

الخامس: آليتا التكامل والتفكيك

فى إطار السعى العولمى إلى تكامل العالم وكونيته أى وحدته وتماثله والضغط بقوة من أجل هذا التماثل إذ يكون الأمر بمثابة شدة الضغط التى تولد الانفجار الذى ينتج بالفعل صراعات طائفية وعرقية ودينية فى دول الأطراف “دول العالم النامى” حيث إن آلية التكامل الاقتصادى تعمل بقوة فى دول المركز التى

تدرك أهمية توحيد القوانين الاقتصادية وأهمية الاندماج الاقتصادى ولدينا مثلا حالة الاتحاد الأوروبى ، حيث تعمل دول المركز على تخليق تشريعات إقليمية وكونية تؤطر لهذا الاندماج ، مثال اتفاقية التجارة العالمية ،

أما آلية التفكيك فإنها تعمل بكل قوتها فى دول الأطراف حيث تخف رقابة الدولة ، وبل وحيث تسهم بعض النظم السياسية ذاتها فى عدم الالتزام بالقواعد

فالثقافة الوطنية لبلد ما ، هى ثقافة ترتبط بتاريخ معين وهوية معينة ، لكن ثقافة العولمة لا تاريخ لها ولا هوية لها، حيث إنها تلتقط أنفاسها يوما بعد يوم وتبحث عن الجديد بشكل دائم لتلقى بالقديم وراء ظهرها

 

السادس: الخطاب العلمى

يصاحب العولمة المعاصرة خطاب تقنى علمى محسوب ، تنتفى فيه التلقائية ، فهو خطاب موجه لخدمة أهدافه الاقتصادية

 

السابع: العولمة المعاصرة نخبوية

حيث تصل لمن معه القدرة المالية على شراء التكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام المختلفة ، لأن العولمة المعاصرة تنتقل عبر وسائل الإعلام وتستخدم وسائل الدعاية والإقناع لتحقيق أهدافها واستقطاب أكبر عدد ممكن من الموالين لها، ومن ثم فإن العولمة المعاصرة هى عولمة نخبوية تتنقل للقادر على

 

امتلاك التكنولوجيا، ولدينا مثال فى الحقيقة عن طرق انتقال المعرفة قديما تتمثل فى صور نراها فى مسلسلات من التراث مثل “على الزئبق” ،”وحكايات جحا، تتمثل فى الشخص الذى يركب حمار ومعه طبلة يجول بالحمار والطبلة فى كل أرجاء المكان معلنا ما يجد من أمور أو آوامر، ونرى التاجر الثرى

يقف بجوار المتشرد البائس يستمعون لما يقوله الرجل ،لكن الأمر مختلف الآن نتيجة وجود ليس فقط القدرة على امتلاك وسائل المعرفة، ولكن الأمر أصبح

متفاوتا أيضا، فهناك من يملك تليفزيونا مثلا، ولكن هناك من هو لديه اشتراك فى قنوات مشفرة تقدم خدمة إخبارية متميزة، وهناك ثالث يمتلك الدش،

 

ورابع يمتلك وسائل أكثر تقدما وهكذا تصبح العولمة المعاصرة ليست نخبوية فقط ، ولكن حتى النخب يتم تصنيفهم بداخلها على حسب قدرة كل شخص أو دولة على امتلاك وسائل المعرفة والاتصال الأمر الذى يؤدى بدوره إلى زيادة الهوة بين أفراد المجتمع الواحد وبين الدول وبعضها البعض وبالتالى يسهم كل 

 فى إذكاء الصراع والفتنة فى قلب المجتمعات

الثامن: ظهور بعض المصطلحات مثل

“تقنيات العولمة” وهى تعنى الكمبيوتر والإنترنت

“الفضاء الإليكترونى” ويعنى العالم الفضائى غير المرئى واللامحدود وغير المرتبط بزمان أو مكان

“الجماعات الافتراضية” أو الهوائية وتعنى الشاشات والمنتديات فى الإنترنت ، حيث يوجد جماعات تتحدث لا يعرف أحدهم الآخر ،بل ويمكن للشخص الواحد أن يتنكر فى عدة شخصيات بعدد من البريد الإليكترونى والأسماء والمواقع 

التاسع: ارتباط العولمة المعاصرة الوثيق بثقافة الاستهلاك

فالعمليات المرتبطة بنشر العولمة هى عمليات تقوم على نشر القيم والرموز وأساليب السلوك المرتبطة بالاستهلاك، ومن ثم فإنها تفرض على المجتمعات الواقعة فى إطار الحضارات غير الغربية صورا من الاستهلاك لم تكن لتعرفها لولا عولمة أجندة الغرب، الذى يعمل دائما وجاهدا على توطين ثقافة

الاستهلاك وتخلق منه أسلوبا للتميز الاجتماعى ، ولدينا مثال صارخ فى مصر وهو أن كل فرد فى الأسرة الصغيرة الواحدة أصبح يحمل معه محمولا     

أو يتطلع إلى حمله بعد أن كان الأمر مقتصرا على تليفون عام فى المنزل الواحد وربما العائلة الواحدة ، وقديما كان الشارع الواحد

 

والعوامل التى تساعد دول المركز على تدعيم وتوطين قيم الاستهلاك ، هى ما تملكه هذه الدول من وسائل إعلام وقنوات فضائية ووكالات أنباء ، وكذلك تحكم هذه الدول على طرق التجارة وسيطرتها على الشركات عابرة القارات وعلى حركة السلع عبر الحدود الدولية ، ويؤدى كل ذلك لا إلى نشر السلع

والخدمات وتسويقها فحسب، ولكن إلى نشر الأفكار الاستهلاكية فيما يمكن أن نطلق عليه ، أو يطلق عليه الكتاب “الإمبريالية الثقافية” أى الاستعمار

الثقافى، والذى يتوازى مع  الإمبريالية السياسية والاقتصادية، ومن ثم يصبح الناس عبيدا لثقافة لا يصنعونها بأنفسهم ، بل هى مفروضة عليهم من قبل

 

الآخرين  

العاشر: النمذجة

وهى قيام العولمة بخلق نماذج وصيغ موحدة عبر العالم فى تشكيل صور ذهنية، ويتمثل ذلك فى احدى الصورمثل “المكدونالية” وهى تعنى العملية التى بمقتضاها تنتشر المبادئ الخاصة بالطعام السريع وتصبح منتشرة فى أمريكا وفى كل أرجاء العالم

 

ومن ثم تصبح المكدونالية كصورة ذهنية تخلقها وسائل الإعلام الغربية هى الطريقة المثلى للطعام وتناوله

وفى الحقيقة إننى أتذكر أن مذيعا فى التليفزيون كان يتحدث عن صديق له تحدث معه تليفونيا وأخبره أنه قام بتطليق زوجته، ولما سأله المذيع عن السبب ، أجاب صاحبه بأنها لا تشبه “نانسى عجرم”

إذا خلق الصور الذهنية ليس فى الطعام ولا كيفية تناوله فحسب ، ولكن أيضا فى كل مناحى الحياة ، حيث يخلق صورة ذهنية عما يجب أن تكون عليه المرأة ، وما يجب أن يكون عليه السياسى ،وما يجب أن يكون عليه رجل الدين وما يجب ان يكون عليه الأمر فى كل مناحى الحياة

فنموذج المرأة التى تحاول العولمة أن تنشره ونجحت فيه بنسبة كبيرة ، هى صورة المرأة المتحررة فى ملابسها التى تكشف أكثر ما تستر،وفى اليابان مثلا هم يخصصون يوما يرتدون فيه الزى الوطنى -وهو بالمناسبة زى حشمة- حتى لا ينسوا أنفسهم وتضيع هويتهم فى ظل ما تحاول العولمة أن تفرضه

وكانت هناك فى الجرائد المصرية إحصائية عن ازدياد حالات الطلاق بين الأزواج المصريين بسبب هيفاء وهبى ، ونانسى عجرم ، وإليسا

ونلاحظ أن هذه الصور الذهنية قد عملت على تفكك العلاقات الاجتماعية التى كانت تعرفها المجتمعات وكانت تربط بين أفرادها، حيث كانت تشكل هوية مشتركة ووجود جماعى مشترك، وحيث صاحبت فترة ما بعد الحداثة على موت روح الإنتاج، وموت القدرات الخلاقة وموت المعنى، ووقع الناس فريسة

 

الصور الذهنية التى تملى عليهم ، وساد الشعور بالإحباط وعدم الرضا ، وأصبح الناس فى مجملهم يتجه لاإراديا إلى محاولة تقليد الصورة الذهنية المفروضة عليهم فى كل مناحى الحياة

 

العاشر:قدرة الخطاب العولمى على امتصاص صور النقد

فأحد الأبعاد الأيديولوجية لخطاب العولمة المعاصرة هو أن يمتص صور النقد ويستدمجها داخل خطاب واحد ينتهى دائما بأن الأمور تسير إلى وحدة ، وأن العولمة هى لا مفر منها

 

ثالثا: الثقافات الوطنية والميل إلى التفكك والتآكل

حيث تتحول المجتمعات الضعيفة التى تبحث عن هويتها الثقافية والاجتماعية وسط خضم العولمة إلى بؤر للصراع والتطاحن

ويبدو شكل العالم الذى تخلفه العولمة موحدا عند القمة “دول المركز” ومفرقا عند القاع”دول الأطراف” نتيجة البحث عن الهوية والتاريخ والقومية

إذا العولمة المعاصرة يرتبط بها أمران هامان:

الأول: استغلال دول المركز لدول الأطراف

الثانى: تحطيم الثقافات الوطنية عبر إدخالها فى عالم من المتناقضات والصراعات التى تجعل كل ثقافة تطحن بعضها وتأكل بعضها فى الوقت الذى يتم فيه استنزاف ثرواتها

 

فمثلا الشركات العابرة للقارات عملت على تدويل رأس المال ومن ثم التأثير على سيادة الدولة التى تصبح فى هذه الحالة فى وضع ضعف أمام قوة رأس المال الذى يعمل على استغلال الشعوب الضعيفة ويجرها إلى هوة سحيقة من التخلف والتبعية

 

خاتمة الفصل الأول

هذه الأجندة الغربية التى تتنافى مع كثير من قيم المجتمعات لاسيما العربية والإسلامية منها ، أدت بعد ما بعد الحداثة إلى استنفاد طاقة الشعوب الإسلامية فى تساؤلات فكرية مثل من نحن، ومن نكون، وما هى علاقتنا بالغرب، وأى أسلوب أصلح لنا التراث أم الحداثة ، وما العلاقة بين الأصالة والمعاصرة

 

كان هذا عرضا لقضية أراها هامة وحيوية جدا لفهم المصطلحات من حولنا وما تعنيه لأن الفهم هو بداية العمل لعلاج المشكلات

 

ومن هذا العرض تثور لدينا قضية هامة الا وهى

اختلاف عولمة الإسلام عن العولمة الأمريكية المعاصرة وربما عن كل محاولات العولمة على مر التاريخ

أولا

يحترم الإسلام الهويات الوطنية المختلفة، فحينما جاء “عمرو بن العاص”إلى مصر لم يحاول العرب المسلمون تحطيم الآثار المصرية أو التماثيل على اساس حرمة التماثيل والأوثان، بما يتضمن احترام الاسلام لمختلف الأعياد الوطنية والعادات والتقاليد الخاصة بكل بلد بما لا يتعارض مع

الإسلام فى قاعدتين هما “لا ضرر ولا ضرار” ، “الغاية لا تبرر الوسيلة”

الثانى

احترام الإسلام لقدرات الإنسان لاسيما المتواضعة منها والدليل على ذلك هو نزول  

القرآن الكريم على سبعة أحرف بعدما وجد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الناس قد دخلت فى دين الله أفواجا وهم أناس مختلفة لهجاتهم وأعمارهم فهناك الصبى الصغير الذى لا يجيد نطق الحروف بعد، وهناك الشيخ العجوز التى تساقطت أسنانه فلا يستطيع الإتيان بالحروف

 

كما هى، وهناك المرأة الجاهلة أو الأمية وهناك وهناك ، هنا ناجى الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ، فأنزل الله تعالى سيدنا جبريل عليه السلام يخبر سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وذلك من أجل استيعاب قدرات البشر المختلفة سواء القوية أو المتواضعة منها

 

وهذا غير متحقق فى عولمة أمريكا أو ربما أى عولمة أخرى إذ نزعت كل عولمة إلى فرض نفسها فرضا ، فالرومان الذى احتلوا مصر سبعة قرون، اضطهدوا أجدادنا ثلاثة قرون من أجل أعتناقهم للمسيحية، ثم أربعة قرون أخرى من أجل الطائفة حيث كان الرومان كاثوليك ، واعتنق أجدادنا

المصريون الأرثوذكسية،وقد أفادت الدكتورة جورجيت قلينى فى حوار تليفزيونى لها أن من ضمن وسائل التعذيب الرومانية للمصريين هى أنه كان يتم حرق المصرى ليلا من أجل إنارة الطريق

 

وقد حدثت واقعة شهيرة ، حيث اختلف صحابيان فيما بينهما على قراءة كل منهما للقرآن الكريم ، فذهبا للرسول صلى الله عليه وسلم فاستمع للأول فأجاز له، واستمع صلى الله عليه وسلم للثانى وأجاز له أيضا

 

ولكن الحقيقة هى أن العولمة الأمريكية قد أثرت بالضرر على روح العولمة الإسلامية ، ففى احدى البرامج كان هناك سؤال موجه لأحد علماء الدين الإسلامى من فتاة تشتكى من مقاطعة أخواتها البنات لها لأنها ترتدى - على ما أتذكر - خمار لف ، ولكنهم يريدونها أن ترتدى إسدال،

 

وسألت الفتاة عالم الدين الإسلامى عن أى أنواع الحجاب هو الأصح الإسدال، الخمار العادى، الخمار اللف، وو

لكن ما حدث أن الشيخ ضحك ولكنه ضحك كالبكاء لأن الإسلام تحدث فى ملابس المرأة عن صفات وليس أشكال فنية ، فملابس المرأة المسلمة يجب ألا تصف أو تشف ، فمتى تحقق ذلك بالإسدال كان بها ، أو بالخمار العادى كان بها ، أو بالخمار اللف كان بها ايضا ، أو أى أنواع من الملابس سوف

تظهر فيما بعد لأن المقصود الاحتشام للمرأة تاركا لها الطريقة التى تحتشم بها

 

دعوة إلى تيار الوطنية الدينية الإسلامى

 

فإذا كانت العولمة الأمريكية المعاصرة لا تحترم الخصوصيات الثقافية واختلاف الهويات الوطنية ، وإذا كان الإسلام يحترم الخصوصيات الثقافية واختلاف الهويات الوطنية ، فلما لا نتصدى للعولمة الأمريكية المعاصرة بتيار إحياء الوطنية الدينية ممزوجا بالفكر الإسلامى فى معادلة ليست بالصعبة ، فكل 

 

موقف أو حدث أو شخصية أو تاريخ إنما يعبر فى النهاية عن فكرة إنسانية ما موجودة منذ وجدت البشرية ، ولكنها تتخذ أسماء ومصطلحات وأشخاص مختلفين فى كل عصر وزمان ، ولكن يبقى المبدأ الإنسانى العام ، ثم نأتى بهذا المبدأ الإنسانى العام ونعرضة على الفكر الإسلامى والواقع المعاصر

 

مع الوضع فى الاعتبار أن القرآن الكريم إنما هو مبادئ إنسانية فكرية عامة ، فقد يبدو أن ثمة تعارضا بين مصطلح الشورى ، ومصطلح الديموقراطية مثلا، ولكن الحقيقة هى أن الشورى إنما هى تعبير عن مبدأ إنسانى عام يرسيه القرآن الكريم ، فى حين إن مجلس الشعب، الكونجرس، الكنيست ، الدو ما ما

 

هى إلا تعبيرات ومصطلحات مختلفة معبرة عن نفس المبدأ الإنسانى وهو الشورى

 

كذلك مبدأ العدل فى الإسلام ، فيكون الشكل الفنى المعبر عن هذا المبدأ الإنسانى العام فى وقتنا المعاصر يتمثل فى قوانين استقلال القضاء، قدرة الشعب على اختيار ومحاكمة رؤسائه ، سرعة الفض فى المنازعات فى المحاكم ، حسن معاملة المسجونين ، القدرة على تدفق وسريان المعلومات فى المجتمع،

 

إمكانية التظاهر السلمى والتعبير عن النفس الخ

 

كذلك مبدأ مثل الأمانة فى الإسلام ، هذا المبدأ يقوم على تنفيذه أشكال فنية مثل الجهاز المركزى للمحاسبات ، مثل المدعى الاشتراكى ، مثل قانون من أين لك هذا

 

وإذا فعلنا هذا الأمر وهو أن يتجه كل مسلم إلى وطنه يحى تاريخ وشخصياته ومواقفة وعاداته وتقاليده وما يتميز به ثم يقوم باستخراج المبادئ الإنسانية التى تقف وراء هذا التاريخ وهذه الأحداث وتلك الشخصيات عبر تاريخ البلد الواحد ، ثم الإتيان بهذه المبادئ الإنسانية العامة ونقاط الاتفاق مع الإسلام

 

ومشكلات الواقع المعاصر لكان هذا الأمر من شأنه

أولا: حماية الهويات الوطنية والخصوصيات الثقافية لكل بلد للوقوف ضد العولمة وما تحاول أن تفرضه من نمطية وتماثل وقضاء على الاختلافات الإنسانية

 

ثانيا: إثراء الفكر الإسلامى بأسماء ومصطلحات ومواقف ندرك بها عالمية هذا الدين العظيم وقدرته على العيش وتطبيق مبادئه مع اختلاف الألوان والأجناس والأعراق والطوائف، لأن الإسلام هو مبادئ إنسانية يمكن لها أن تتشكل فى كل شكل فنى

 

ومن ثم فأنا أدعو إلى حملة مدونات إسلامية لا على مستوى مصر ولا على مستوى العالم العربى ولا على مستوى العالم الإسلامى ، بل على مستوى العالم كله ، حيث تخدم كل مدونة يتم إنشاؤها فى كل بلد من بلدان العالم كله تخدم تيار الوطنية الدينية الإسلامى حيث تربط ما بين الهوية الوطنية والفكر الإسلامى

 

ولعل ما أستطيع أن أضربه مثال لهذه المعادلة “الهوية الوطنية ، والفكر الإسلامى “ موضوع “تعلم الدرس أيها الشرق” ، وموضوع “من الآمونية إلى الاتونية إلى المسيحية إلى الإسلام” وهذان الموضوعان موجودان هنا فى هذه المدونة لمن يحب الرجوع إليهما

 

وإذا كنت قد أطلقت على مدونتى اسم قبطية مسلمة، ولكننا نسعى للاختلاف تحت مظلة الفكر الإسلامى وليس عملية التنميط ، فأقترح بعض الأسماء المختلفة لمدونات من دول العالم المختلف مثل

بنت من الصومال، رجل من كوريا، حياة فى الصين ، عين فى لبنان، تحية من الكويت ، ثائر عراقى، صوت من أمريكا ، أهلا من إيطاليا، وهكذا لأن كل مسلم أصله إيطاليا من حقه أن يستحضر تاريخ بلده إيطاليا لا ان يطرحه جانبا ، وهكذا الحال لكل مسلم فى كل مكان من الأرض

ومن يتحمس للفكرة الرجاء الاتصال بى على البريد الإليكترونى الخاص بى أو من خلال التعليقات أسفل كل موضوع ، وعلى الله قصد السبيل    

 

 

Posted by maissa at 11:36:19 | Permalink | No Comments »