وداعا أيها الفرعون المسلم العالمى ..نجيب محفوظ
رحل عن عالمنا أديبنا العالمى “نجيب محفوظ”، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جناته ، وإذا بالخاطر يتجول بين أعماله
الخالدة، إذ توقف عند قصة “كفاح طيبة”، وهى قصة كفاح المصريين جميعا من أجل تحرير مصر الغالية من الهكسوس وقتئذ.
ونقول إن خدمة الأديان تبدأ من عشق الأوطان،لأن من يعشق وطنه يحب أن يهديه أغلى شئ فى الحياة، وليس أغلى على أى إنسان من الدين.
ونحن إذ نعشق وطننا مصر الغالية ، نحب أن نهديها أعظم شئ فى الكون وهو “الإسلام” ليكون نبراسا لها وهاديا وحاميا لها.
فمن المؤسف أننا نجد معظم العالم الإسلامى الآن لم يستطع الحفاظ على وطنه ، وبالتالى فقد قدرته على إعلاء شأن دينه ،
الإسلام .
وحينما أجبر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلمعلى الخروج من مكة ، وقف حزينا يودعها قائلا: لولا أخروجونى منك ، ما
كنت خرجت أبدا.
ولكن هل يفهم من كلامنا أن عشق الأوطان يتعارض مع الأممية الإسلامية، ؟
فى الحقيقة، إن الفكرة التى قام عليها الاتحاد الأوروبى لهى خير تجسيد لفكرة توحيد حضارات وثقافات مختلفة تتفق مع ذات الدين
ولكن هل ما فعله الشيخ الجليل “حسن نصر الله” وفقه الله تعالى وشمل برحمته كل الشهداء من المدنيين وأبطال حزب الله من الذين تصدوا للعدو الصهيونى ، نقول هل ما فعله الشيخ الجليل “حسن نصر الله” تعارض مع عشق وطنه لبنان؟
نقول إن الاتحاد الأوروبى قد اتفق فيما بينه على معاهدة دفاع مشتركة
وتأبينا لكاتبنا الكبير “نجيب محفوظ”، فسوف أقوم بعرض قصة “كفاح طيبة” كاملة إن شاء الله تعالى كما هى مقررة على
الصف الدراسى الثالث الإعدادى للعام الدراسى 1995-1996.

جزء من خريطة رقم 3 فى كتاب مصر وحضارات العالم القديم للصف الأول الثانوى.
وسوف نبدأ تباعا إن شاء الله تعالى فى نشر قصة كفاح طيبة
كفاح طيبة
الفصل الأول
لم تكن حياة الأسرة الفرعونية فى المهجر،حياة دعة وخمول، بل كانت حياة عمل وإعداد للمستقبل البعيد، وكانت الأم
توتى شيرى، محور هذه الحياة. لم تعرف اليأس أو الراحة .طلبت فور قدومها، من الحاكم رءوم أن يجمع المهرة
من الصناع النوبيين، والفنيين المصريين المقيمين بالنوبة ، وطلبت من الملك كاموس، أن يعهد إليهم بصنع السلاح
والخوذات والثياب الحربية،وبناء السفن وعجلات القنال، وكانت تقول له
سيجئ اليوم الذى تهجم فيه على العدوالذى اغتصب عرشك، وامتلك بلادك، فينبغى أن تهجم بأسطول كبير، وبقوة
من العجلات لا تقهر، كما فعل العدو مع أبيك
وتحولت “نباتا” فى أثناء السنوات العشر، إلى مصنع كبير لصناعة السفن والعجلات والآلات بجميع أنواعها.
فلما جاء الرجال فى القافلة الأولى، وجدوا السلاح والعتاد جاهزا متوفرا، فأقبلوا على التدريب بقلوب يملؤها
الحماس والأمل، بعد أن انخرطوا جميعا فى سلك الجندية ،وأخذوا يتدربون على فنون القتال، واستعمال مختلف الأسلحة،
تحت إشراف ضباط الحامية المصرية التى بقيت -بعد الغزو- فى النوبة.
ولم يأخذهم فى التدريب رفق أو هوادة، فكانوا يعملون من مطلع الفجر إلى غروب الشمس. وكانوا يعملون جميعا لا
فرق بين كبير وصغير. وكان الملك “كاموس” يشرف بنفسه على تدريب الجنود، وتكوين الفرق، واختيار
الصالحين للأسطول، وكان ولى العهد “أحمس” يعاونة. وأصرت الملكات الثلاث والأميرة الصغيرة على أن يعملن
العاملين. وكان منظر الأم “توتى شيرى” رائعا، وهى منكبة على عملها بهمة لا تعرف الملل، أو سائرة بين الجنود
تشاهد تدريبهم وتلقى عليهم كلمات الحماسة والأمل، وكان الرجال قد انقلبوا بفضل التدريب إلى وحوش كاسرة، وكانوا، عندما يرونها ينسون أنفسهم ويشتعلون حماسا وإقبالا على التدريب.
وكانت تبتسم استبشارا وتقول لهم
استعدوا يا رجال طيبة للمعركة، سوف يكون على الواحد منكم أن ينقض على عشرة من الرعاع، فينزل الرعب فى قلوبهم .
وانصرف الحاجب”حور” إلى إعداد القافلة الثانية، فضاعف عدد السفن لها، وملآها بالذهب والفضة والأقزام
والحيوانات الغريبة. ورأت الأم “توتى شيرى” أن يحمل معه جماعات من النوبيين المخلصين ، ليهديهم إلى غزاة طيبة، فيكونوا عبيدا فى الظاهر ، وأعوانا فى الباطن، يطعنون العدو من الخلف عند الاشتباك معه.
وأعجبت الفكرة الملك كما أعجبت الحاجب “حور” وعمل على تحقيقها بغير تردد.
وانتهى “حور”من إعداد القافلة. وانتظر الجميع الإذن بالسفر.
وكان الأمير أحمس ينتظر هذه الساعة، بقلب أضناه الشوق والهوى، ليرحل على رأس القافلة. ولكن الملك كان قد
علم بالأحداث والأخطار التى تعرض لها فى القافلة الأولى، فلم يرض أن يجازف بسفره مرة أخرى، وفاجأه بقوله
واجبك الآن ، أيها الأمير، يدعوك للبقاء فى “نباتا”.
كان وقع المفاجأة على الأمل المضطرم فى صدره كوقع الماء البارد على جمرة متقدة، فقال للملك برجاء صادق
رؤية مصر والاختلاط بأهلها ، شفاء لما فى قلبى يا مولاى.
فقال الملك
ستجد الشفاء التام يوم أن تدخلها غازيا على رأس جيش الخلاص.
عاود الشاب الرجاء، ورد الملك بحزم
لن يطول انتظارنا ، فاصبر حتى تأذن ساعة الكفاح.
أدرك الشاب من لهجة الملك أنه قال كلمته الأخيرة ، فحنى رأسه بالتسليم والقبول ، وتجلد ومضى إلى المعسكر حيث يتدرب الرجال، وقلبه حزين كئيب.
كان “أحمس” يقضى نهاره فى العمل الشاق، ولم يكن يظفر إلا بساعة قصيرة قبيل النوم ، يخلو فيها إلى نفسه، يناجى حلو الذكريات، ويحوم بخياله حول المقصورة الجميلة فى السفينة الفرعونية، التى شاهدت ساعة
الوداع ، ويتخيل أنه يسمع الصوت الرخيم يتمتم قائلا “إلى الملتقى” ثم يتنهد من أعماق قلبه ويقول أسيفا محزونا أين الملتقى؟ إنه كان الوداع الذى لا لقاء بعده.
واستطاعت “نباتا” رويدا، رويدا أن تنسى الشاب نفسه وهمه، وأن ينشغل بما هو أجل وأخطر، وكان الرجال يعملون جادين بغير انقطاع ومرت بهم الأيام وهم لا يصدقون أن فى الدنيا شيئا غير العمل أو أن فى الغد شيئا سوى الأمل
وعادت القافلة برجال جدد، يهتفون لمصر كما هتفوا هم يوم مجيئهم ويصيحون متلهفين مثلهم أن مليكنا “كاموس”، وأين أمنا “توتى شيرى”، وأين أميرنا “أحمس”، ثم ينضمون إلى المعسكر يعملون ويتدربون.
وجاء الحاجب “حور” إلى الأمير “أحمس” وحياه ثم مد له يده برسالة وقال
طلب منى أن أحمل هذه الرسالة إلى سموك
فسأله “أحمس” وهو يتناولها دهشا
من مرسلها ؟
لزم “حور” الصمت فى وجوم، فخطر للأمير خاطر خفق له قلبه، وفض الرسالة وقرأ التوقيع .فارتعدت مفاصله، واشتدت ضربات قلبه، وجرت عيناه على أسطر الرسالة، إنها تحمل إليه عتابا ذكيا بطريقة غير مباشرة،فهى
تتحدث عن قزم من أقزامه أنست به وأنس بها، هرب ولم يعد؟ وتسأله
هل لك أن تبعث إلى بقزم جديد يعرف الوفاء؟
عند انتهائه من قراءة الرسالة ، أحس بطعنة نجلاء تصيب قلبه ، وبالأرض تتحرك تحت قدميه ومضى فى سبيله
محزونا كسير الفؤاد يقول لنفسه
هيهات أن تدرى بما منعه من العودة إليها وسترى فيه دائما القزم عديم الوفاء.
وانطوى على آلامه لا يحس به إلا أقرب الأفئدة إليه “نيفرتارى” فاحتارت فى أمره ، وعجبت ماذا يكمن وراء ذهوله ، وشروده، ونظرة الحزن التى تلوح فى عينيه الجميلتين وذات مساء، قالت له
لست كهدى بك يا “أحمس”
فاضطرب لملاحظتها، وقال مبتسما
التعب، ألا ترين ما نحن فيه من كفاح؟
فهزت رأسها ولم تقل شيئا، وغدا “أحمس” أشد حذرا على أن “نباتا” لم تكن تترك إنسانا يغرق فى أحزانه .
فالعمل قاهر الأحزان، وقد شهدت من معجزات العمل ما لم تشهده من قبل ولا من بعد، تدرب الرجال، وتصنع السفن والعجلات والسلاح، وترسل القوافل محملة بالذهب لتعود محملة بالرجال.
ومضت الأيام والشهور الطوال إلى أن جاء اليوم المرتقب السعيد فقصد الملك “كاموس” إلى جدته “توتى شيرى” وهو لا يتمالك من الفرح ولثم جبينها، وقال بصوت متهدج
أبشرى يا أماه ، تم إعداد جيش الخلاص.
انتهى الفصل الأول بحمد الله تعالى